مجدي علي
في المشهد السردي السوداني، يبرز منصور الصويم كأحد الذين جعلوا من الكتابة طريقًا نحو معرفة الذات واستنطاق جراح البلاد. ظلّ وفيًا لفكرة أن الحكاية ليست لهوًا، بل أداة نجاة، وأن السرد قادر على لملمة شظايا الذاكرة حين تنفجر البلاد في وجوه أبنائها.
وُلد الصويم في بيئة تختلط فيها الأسطورة بالواقع اليومي، والحكايات بالقصص الشفاهية التي تشكّل وعي الأطفال في القرى والمدن الصغيرة. من تلك البدايات تشكّل حسّه السردي، الذي نما لاحقًا في رواياته التي اشتغلت على الهامش، والهوية، والتاريخ المنسي، والإنسان المنعزل في مواجهة العنف.
قدّم أعمالًا روائية لافتة أصبحت علامات بارزة في الأدب السوداني الحديث، منها: (تخوم الرماد)، (ذاكرة شرير)، (آخر لحظة)، (مرتفعات الخوف)، (طحلب أزرق)، إلى جانب دراساته النقدية واشتغاله المقارن في عرس الزين.. نسخة معاصرة، الذي كشف قدرته على الإنصات العميق للسرد السوداني وإعادة قراءته في مرآة الأزمنة الجديدة.
وفي الصحافة الثقافية، كتب مقالات ودراسات تتبع التحولات الكبرى في الكتابة السودانية، متناولًا أسئلة الحداثة، والهوية، والتاريخ الشفهي، وصوت المهمّشين. كما عمل محررًا وباحثًا في السودان والإمارات وجنوب السودان، ما أضفى على نصوصه مسحة معرفية وانتباهًا دقيقًا إلى الحكايات الصغيرة التي تختبئ خلف صخب المدن وأزيز السياسة.
الكتاب الجديد: حلقة في مشروع طويل
بتدشين عمله الأخير (السرد كفعل اجتماعي في الح.رب السودانية) في العاصمة الأوغندية كمبالا، لا يقدم الصويم إضافة جديدة فحسب، بل يواصل مشروعًا فكريًا يسعى لفهم الح.رب من خلال الإنسان، لا من خلال ركام السياسة. في هذا العمل، يبتكر الصويم مفهوم “العدالة السردية“، أي استعادة إنسانية الضحايا عبر السرد ومنحهم صوتًا في مواجهة الإبادة الصامتة التي أحدثتها الح.رب. فالكاتب يرى أن الأدب ليس ترفًا في أزمنة الخراب، بل مساحة تكشف ما لا تستطيع السياسة أو التقارير العسكرية الوصول إليه: الحقيقة الإنسانية المختبئة تحت الركام.
يعتمد الكتاب في قراءاته على نصوص قصصية وروائية تناولت الح.رب مباشرة أو بصورة رمزية، مثل أعمال محمد حسن النحاس، إبراهيم جعفر مكرم، عمر الصائم، محمد سليمان الشاذلي، حمور زيادة، عبد العزيز بركة ساكن، سارة الجاك.. من خلالها، يفكك العلاقة بين الذاكرة والدم والكلمة والمجتمع، محاولًا فهم “القسوة العارية” التي ظهرت في مدن مثل الفاشر بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها.
أنسنة الح.رب واستعادة الوعي
بدل الانغماس في التفاصيل السياسية، ينحاز الكتاب إلى مصائر المدنيين، ويصوّر الح.رب كخبرة إنسانية تتقاطع فيها الصدمة مع الحنين، والخوف مع الرغبة في النجاة. يسعى عبر هذا المنهج إلى جعل الأدب شهادة وذاكرة مقاومة، لا مجرد توصيف للدمار.
كتّاب وصحفيون حضروا التدشين أشادوا بفرادة العمل، معتبرين أنه يفتح بابًا جديدًا لدراسة الح.رب السودانية من منظور ثقافي وإنساني، ويضع الأدب في قلب أسئلة العدالة والسلام وإعادة الوعي.
مشروع متصل: السرد كفعل اجتماعي
الكتاب الجديد يأتي كامتداد طبيعي لأسئلة الصويم القديمة: كيف تحفظ الحكاية الذاكرة؟ كيف يواجه الأدب القسوة العارية؟ وكيف يصبح السرد مساحة للعدالة حين تصمت المؤسسات ويُخنق صوت الضحايا؟ أمتداد يطوّر فيه مفهوم “العدالة السردية” كفعل مقاومة، وممرّ لالتئام الوعي، وطريقة لرد الاعتبار لمن سقطوا دون أن يصل صوتهم إلى العالم. يقرأ نصوصًا كتبت الح.رب السودانية بصور مباشرة أو رمزية، مستكشفًا العلاقة بين الذاكرة والدم والمعنى، وكيف تصبح الرواية ملجأ أخيرًا لضحايا العنف الذين تُغيّبهم الوقائع العسكرية.
كاتب يحرس الذاكرة بالحبر
الصويم يكتب كما لو أنه يدوّن الطبقات المخفية من تاريخ البلاد؛ تاريخ من عاشوا في الظل، ومن عبَروا الح.روب بلا ضجيج. أعماله السردية والنقدية تشكّل أحد أهم مشاريع الكتابة التي تعيد الاعتبار للإنسان السوداني في زمن الكارثة، وتجعل من الأدب وثيقة مضادة للنسيان.
ترميم الخراب بالكلمات
ومع هذا الكتاب الجديد، يبدو الروائي منصور الصويم أشبه بآخر الحراس على بوابات الذاكرة، يلتقط ما تناثر من حكايات الناس ويعيد ترتيبها في بنية سردية تمنح المأساة معناها، وتمنح الخراب لغته التي يمكن مواجهته بها. لا يكتب من أجل التوثيق وحده، ولا ينساق إلى الحنين السهل، بل يمضي في مشروعه بحثًا عن سودان آخر، يُرى من خلال القصص التي يكتبها الناس عن أنفسهم، لا من خلال نشرات الأخبار أو بيانات العسكر.
بهذا المعنى، يصبح (السرد كفعل اجتماعي في الح.رب السودانية) لبنة جديدة في بناء فكري وأدبي يتسع عامًا بعد عام، مشروعًا يجعل من الأدب طريقًا للمعرفة، ولملمة الوعي، واستعادة ما سُرق من إنسانية السودانيين وسط العاصفة.
إنه عمل يشبه صاحبه: هادئ، عميق، وجريء في مواجهة الظلام بالحكاية.
#ملف_الهدف_الثقافي #منصور_الصويم #السرد_كفعل_اجتماعي #العدالة_السردية #الأدب_في_زمن_الح.رب #الرواية_السودانية

Leave a Reply