بشرى نصير
في زحمة الأيام، تتراقص وجوهٌ تحمل ابتساماتٍ تشبه الأقنعة، تخفي وراء بريقها عواصف من الألم. نؤدي دورًا محكمًا في مسرح الحياة، ندّعي أننا لم ننكسر يومًا، وأن الخذلان لم يمرّ بنا، وأن دموع الليالي الباردة لم تترك آثارها في زوايا أرواحنا.
نضحك بصوتٍ عالٍ، ضحكةً تملأ الأرجاء، بينما في أعماقنا صدى صوتٍ مختنق يبحث عن منفذٍ ليتحرر. نمدّ كلماتنا للآخرين كأننا نزرع الأمل في أرضٍ عطشى؛ نربّت على أكتافهم، نواسي جراحهم، ونقف معهم حتى وإن كنّا وحدنا نقف على أطراف وجعنا. نجتهد لنكون بلسمًا لغيرنا، رغم أن جراحنا تنزف في صمت، قطراتٍ لا يلحظها أحد.
لكن خلف تلك الابتسامة المصطنعة، لا أحد يرى ما يحدث حقًا. لا أبٌ يتلمس ارتجاف الروح، ولا أمٌّ تسمع خفقة القلب المنكسر، ولا شريكُ روحٍ يلمح العاصفة الدائرة في الداخل. الجميع يرى الوجه المضيء، والضحكة الشبيهة بشروق الشمس، والكلمات التي توزّع الطمأنينة كندى الفجر. لكن لا أحد يبصر الزجاج المهشّم خلف العيون، ولا يسمع صراخ القلب وهو يكتم انفجاراته.
في أعماقنا مدينةٌ مهجورة من الأحاسيس؛ شوارعها موحشة، تزدحم بخيبات الأمل، وأزقتها تضج بصدى أحلامٍ مؤجّلة تتردد في قاعة فارغة. هناك تتكسر الأمنيات على صخور الواقع القاسية، وتضيع البوصلة في متاهة الذات، فنغدو غرباء حتى عن أرواحنا. نتجوّل بلا وجهة واضحة، كأوراقٍ تتقاذفها الرياح في كل اتجاه. نحمل خرائطَ لأحلامٍ لم نبلغها، وحقائب مثقلة بأسئلة بلا إجابات.
نتقن دور القوي الذي لا ينكسر، لكننا في الداخل نخوض معارك صامتة، ونصارع ظلالًا لا يراها أحد. ورغم كل ذلك، نواصل السير. نُضيء شموعًا صغيرة للآخرين، حتى لو كنّا نحترق في الخفاء. نمدّ جسورًا من الأمل، حتى ونحن نغوص في الوحل. لأننا نؤمن، في أعماقٍ لا يطالها اليأس، بأن الألم عابر، وأن الضوء في آخر الممر قد يكون أقرب مما نظن..حتى وإن كنّا لا نراه بعد.
-
كاتبة من اليمن
#ملف_الهدف_الثقافي #الابتسامة_المصطنعة #الصحة_النفسية #الخيبة #الألم_الصامت #بشرى_نصير #أدب_الوجدان

Leave a Reply