د.عصام علي
خرجتُ من المنزل مسرعة، فالمحاضر لا يقبل التأخير ولا يسمح بدخول الطلاب بعده مهما كانت الأسباب. وبينما أنا أهمّ بإغلاق باب السور الخارجي، إذا بشابٍ في نهاية العقد الثالث من عمره يجلس على كرسي خشبي أمام منزله المقابل لمنزلنا، يرتدي نظارة سوداء، وينظر إليّ باستمرار وبتركيز شديد، كأنني ألمح عينيه اللتين لا يرتدّ طرفهما. ويبدو أنه ابن الأسرة التي سكنت ذلك المنزل نهاية الأسبوع الماضي.
لم أُلْقِ عليه التحية، فعادتي ألّا أحيّي إلا من تربطني بهم معرفة مسبقة، وأغلقتُ الباب دون أن أكترث كثيرًا لنظراته، ثم أسرعت الخطى نحو محطة المواصلات.
تكرر المشهد في اليوم التالي: الشاب ذاته، النظرات ذاتها، ومن خلف النظارة السوداء يحدّق باتجاه باب منزلنا كأنه ينتظر خروج أحدٍ ما. نظرتُ إليه باستياء شديد وأسررت الأمر في نفسي، ثم تأبطت حقيبتي وواصلت سيري إلى المحطة.
وفي اليوم الثالث تكرر المشهد نفسه.. عندها انتابني الشك. عدتُ إلى حجرتي، نظرت إلى نفسي في المرآة، واضطررت لتغيير ملابسي رغم أنني لم أجد فيها ما يعيبها. ثم خرجت مرة أخرى، فإذا بالنظرات ذاتها تحدّق من خلف النظارة السوداء. نظرتُ إليه بازدراء وقد تمكن مني الغضب، فرمقته شزرًا، وهمهمت ببعض كلمات الإساءة، ثم مضيت في طريقي.
وفي المرة الرابعة لم أتمالك نفسي؛ صببتُ عليه كل غضبي، وضربته ضربات متتالية بكِلتا يديّ علّها تشفي غليلي، ثم تركته ومشيت.
وقررت بعدها ألا أعير النظرات اهتمامًا رغم استمرارها كل صباح، مع أنني كنت أسرق النظر أحيانًا فأجده ما يزال يحدّق.
حتى جاء ذلك اليوم الذي خرجتُ فيه مرتدية الإسكيرت الأسود مع الطرحة والبلوزة الحمراء. وما إن سحبت الباب خلفي، حتى صاح مناديًا:
-
يا أخت! يا أخت! وكانت هذه المرة الأولى التي أسمع فيها صوته.
-
نعم؟ في إيه؟
-
هل أنتِ ترتدين بلوزة حمراء؟
-
نعم، أجبته بامتعاض شديد.
وما إن نطقتُ بها حتى تغيّرت أسارير وجهه، وطفرت عليه علامات الفرح والسرور، وبدأ يصيح بأعلى صوته: لقد رجع إليَّ بصري! لقد عدتُ بصيرًا! يا من أنت كريم يا الله.. هأنذا الآن أرى!
لم أتمالك نفسي هذه المرة. عدت أدراجي إلى حجرتي، أحكمتُ غلق الباب، وانكفأت على ذاتي.. وبكيتُ كأنني لم أبكِ من قبل.
#قصة_قصيرة #علم_النفس #سوء_الفهم #الإنسانية #التعاطف #القصص_الملهمة #القراءة_النفسية #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply