لنا كلمة : حين يرحل المبدع… نُشعل له الضوء الذي بخلنا به حيًّا

صحيفة الهدف

في كل مرة يرحل فيها مبدع سوداني، تتجدّد تلك الحسرة الجماعية التي تبدو وكأنها صارت جزءًا من طقوسنا الثقافية: نستفيق متأخرين، نفتح دفاتر السيرة بعد أن تُطوى، ونكتب عن العظمة بعد أن تخرج من عالم الشهادة. فجأة، يتحوّل الصوت المنسي إلى رمز، والاسم المُهمَل إلى أيقونة.

نبحث في دفاتر الفيتوري، ووصايا الطيب صالح، ووجدان معاوية نور، وجماليات البروفيسور عبدالله الطيب، ونقاء التجاني يوسف بشير، ودهشة إدريس جماع، ولوحة بهنس التي أضاءت في عتمة المدن، وغيرهم كُثر… وكأن الإبداع لا يستحق أن يُكرَّم إلا بعد أن يغيب صاحبه عنا.

وفي هذا السياق، يتجدّد الأسى برحيل المبدع الشامل ياسر عوض، الذي جمع بين الشعر والنقد الأدبي وكتابة الرواية وتصميم الفيديو والإخراج التلفزيوني وصناعة الفيلم الوثائقي، تاركًا بصمات لا تُخطئها العين في كل مجال طرقه. كان مثالًا للمبدع المتعدد المواهب الذي يعمل في صمت، يبني ويُجدّد ويغامر بالجديد، بينما لم ينَل من اهتمامنا ما يوازي عطاءه.

ورحيله يعيد طرح السؤال ذاته بإلحاح أكبر: هل نريد لياسر أن يكون واحدًا من تلك الأسماء التي نحتفي بها بعد الغياب أكثر مما احتفلنا بها في حضورها؟ لعل رحيله يكون آخر الدروس القاسية التي تدعونا لتغيير هذا المسار المختل.

هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، لكنها تكبر مع كل فقد جديد. لماذا لا نحتفي بالمبدع حيًّا؟ لماذا لا نمنحه الضوء بينما لا يزال يمشي بيننا، ويكتب، ويجتهد، ويخوض صراعات الحياة بصمت؟

جزء من المشكلة يكمن في ثقافة عامة تُصعّب الاعتراف، وتُقدّس الرحيل أكثر مما تُقدّس الحياة. ثمة ميلٌ لتأجيل الاحتفاء، وكأن تكريم الحاضر رفاهية، بينما يصبح تكريم الغائب واجبًا. كما تُسهم ضغوط الواقع، وضعف مؤسسات الثقافة، وغياب المنابر المهنية في تكريس هذا التقصير، ليتحوّل المبدع، مهما كان أثره، إلى مشروع ندم لاحق.

لكن “ملف الهدف الثقافي” يفتح هذا الملف لتقليب الآية: دعوة لتغيير البوصلة، لصناعة وعي جديد يجعل من الاحتفاء بالمبدع فعلًا يوميًا، لا رثاءً موسميًا. أن نقرأ تجربة الفنان وهو بيننا، نسمع صوت الكاتب قبل أن ينقطع، ونحمي الشاعر من الغياب قبل أن نحمي اسمه من النسيان.

ختامًا، لعل ما قاله المفكر السنغالي شيخ أنتا ديوب يصلح حكمة لهذا المقام: “لا تبكوا على العبقري بعد موته.. امنحوه الحياة وهو حيّ كي يبقى حيًّا فيكم بعد رحيله”.

#ملف_الهدف_الثقافي #ياسر_عوض #احتفوا_بالأحياء #مبدعون_سودانيون #كلمة_حق

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.