د. أحمد الليثي
في سكون الليل، حين تُطفئ المدينة أنفاسها وتبقى الأرواح وحدها في مواجهة صداها، ينكشف للإنسان وجهه الحقيقي، ذاك الذي يختبئ خلف ضجيج النهار. هناك، عند منتصف المسافة بين السماء والقلب، يبدأ الحوار الذي لا يحتاج إلى لغة، ويولد البوح الذي لا يُقال إلا لمن خلق الصمت ليسمعنا من خلاله.
حديثُ الليل لا يُقال للناس، بل للأشياء التي لا تنام: للظلّ، وللقلب حين يفيق من زحام النهار. عند منتصف العتمة، أفتح نوافذ القلب، وأُخرج ما اختبأ فيه من وجعٍ قديمٍ وأملٍ يتيم، أُحادث الصمت كصديقٍ قديمٍ عاد بعد طول غياب، أعاتبه فيسامحني، ثم نغرق معًا في تفاصيلٍ لم تكتمل.
كلّ شيءٍ في الليل يبدو صادقًا؛ حتى الكذبُ يبدو جريحًا، والحنينُ يلبس وجه الصلاة، والدمعُ يصبح ترجمانًا للروح. حين يسقط القمر على صفحة القلب، أفتح نوافذي للغيب، وأُخرج من صدري ما ظلَّ يئنُّ تحت رماد النهار، أُحادث الصمتَ كمن يكلّم ظلَّه، وأعترفُ للعتمةِ بما لم أجرؤ أن أبوحَ به للنور.
كلّ شيءٍ في الليل صادقٌ، حتى الأكاذيبُ تتطهّرُ من زيفها حين تخلو إلى الله. أقولُ له: يا ربّ، ها أنا أمامك كما خلقتني، هشٌّ، خائفٌ، ممتلئٌ بأسئلةٍ لا تنام. يا ربّ، ما أضعف هذا القلب الذي يخافُ الحبَّ كما يخافُ النار، ويهربُ إليك كلّما جرحه الناس.
في العتمة، يتقاطعُ الحنينُ مع الذكر، والدمعةُ مع الدعاء، ويصيرُ البوحُ صلاةً بلا سجادة، والمناجاةُ وضوءًا بلا ماء. أُقدّمُ حزني كقربانٍ صغيرٍ في محراب الغيب، وأشعرُ أنك تبتسمُ لي من وراء الغيم، وتقول: “ما ضيّعتك.”
وهكذا، حين يطلع الفجر، يكون قد خفّ قلبي قليلًا، وكبرتُ عامًا آخر في لحظةٍ واحدة. أدرك أن البوحَ عبادة، وأن الذين يبكون في الليل هم الذين يزرعون الصبحَ في قلوبهم.
فالليل ليس سكونًا، بل عودة. والبكاء ليس ضعفًا، بل طريقٌ نحو النور. ومن يصدق في بوحه عند منتصف الليل، يُبعثُ مع الفجر جديدًا.. نقيًّا كما بدأ الخلق أول مرة.
#ملف_الهدف_الثقافي #بوح_منتصف_الليل #أحمد_الليثي #الصمت_والبوح #بوح_عبادة #التأمل_الليلي #الليل_والروح #الحنين_والذكر

Leave a Reply