الح.رب دمّرت الثقافة وشرّدت المبدعين.. لكنها ولّدت أدباً يُكتب من موقع ‘الناجي” لا ‘المؤدلج”
الجيل الجديد يمتلك أدوات وجرأة في التعبير.. ومطالب بتحدي الحفاظ على الجوهر الثقافي وسط ثورة الاتصالات أدب ما بعد الح.رب سيكون أدب الشهادة والمنفى والذاكرة.. يوثّق الألم والمقاومة بأسلوب أكثر قسوة وواقعية
حاوره: عبد المنعم مختار
في لحظةٍ مفصلية يعيشها المشهد الثقافي السوداني، حيث تتقاطع الأسئلة حول الأجيال الإبداعية، ودور النشر، وتحولات ما بعد الح.رب، يبرز صوتٌ نقديٌّ عميق يقرأ ما وراء الظاهر، ويربط بين الفن والفكر في سياقهما الاجتماعي والتاريخي. الكاتب والناقد إحسان الله عثمان يُعد من أبرز الأصوات النقدية في السودان، ومن الذين واكبوا عن كثب التحولات الكبرى في الأدب والفن منذ ثمانينيات القرن الماضي. عُرف بقراءاته الرصينة في مجالات السرد والتشكيل والموسيقى، وبمقالاته المنشورة في الصحف والمجلات الثقافية داخل السودان وخارجه، كما تميّز بإسهاماته الفكرية في تحليل علاقة الإبداع بالتحولات السياسية والاجتماعية والتقنية. بعين الخبير وبصيرة المفكر، يتأمل إحسان الله المشهد الراهن بوعيٍ تاريخي يرى في الثقافة مرآةً للتحولات الكبرى، وفي الإبداع وسيلةً للنجاة وإعادة التكوين. في هذا الحوار، يفتح ملفات الأجيال الأدبية، ويتوقف عند حراك النشر الجديد، مقدّماً رؤية جريئة لمستقبل الأدب والفن في السودان، وعلاقتهما بالمشهد العربي والأفريقي والعالمي.
—-
يبدو المشهد الثقافي، منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وكأنه يمر بمرحلة انتقال، وكأن جيل الستينيات والسبعينيات قد ترك مكانه لجيل جديد. ما تقديرك لسلامة هذه الرؤية؟
ليس الأمر انتقالاً زمنياً فحسب، بل تحوّلاً في المرجعيات الثقافية ذاتها؛ من المشروع الجماعي والآيديولوجي إلى المشروع الفردي والتجريبي والمتشظي. نحن لا نتحدث عن تتابع أجيال فحسب، بل عن انكسار في الرؤية وولادة أسئلة جديدة فرضتها الظروف السياسية والاجتماعية والتقنية. أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات مثلت مرحلة انتقالية في معظم الحقول الإبداعية، بسبب التحولات الكبرى: الانقلابات، الح.روب، الهجرة، العولمة، وتبدل أنماط النشر والتلقي. شهدت تلك المرحلة تراجع بعض الأسماء الكبرى من جيل الستينيات والسبعينيات وصعود أصوات جديدة أكثر انفتاحاً على خطاب ما بعد الحداثة والتجريب اللغوي. في التشكيل، كان الجيل القديم مشغولاً بالهوية القومية والرموز الكبرى، بينما اتجه الجيل الجديد نحو الفردية وتفكيك الرموز والتموضع بين المحلي والعالمي. في الرواية، أصبح السرد أكثر حضوراً مع تراجع القصة القصيرة نسبياً، وبرزت موضوعات الذات والمنفى والح.رب والهويات المتعددة. أما المسرح، فرغم تراجعه بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية، شهد محاولات تجريبية مثل “مسرح الشارع” و”العروض الفردية”. وفي النقد الأدبي، اتسع الأفق باتجاه المناهج البنيوية والسيميائية وما بعد الكولونيالية، في مقابل تراجع العمق في النقد الصحفي والإعلامي لصالح القراءة السريعة. أما الموسيقى، فقد شهدت تحولاً واضحاً بصعود الأغنية الشبابية وتراجع الكلاسيكيات التي ميّزت الأجيال السابقة.
ما ملامح الجيل الإبداعي الصاعد، ومدى قدرته على ملء الفراغ الذي خلفه الجيل القديم؟
يمكن رصد عدة سمات لهذا الجيل الجديد: التقاطع مع الوسائط الحديثة؛ حيث إن الإنتاج الثقافي لم يعد محصوراً في الكتاب والعرض الكلاسيكي؛ بل يمتد إلى المنصات الرقمية والصوتية والبصرية. تجريبية الأسلوب؛ بميول واضحة إلى كسر القوالب في الشعر والسرد والموسيقى، تعكس روح البحث عن صوتٍ خاص. الانفتاح على التراث والعالم؛ في مزيج غنيّ بين الثقافة المحلية والعالمية. الاهتمام بالفردي والهامشي؛ تركيز على التجارب الذاتية وقضايا الهوية والاغتراب والهمّ الوجودي. العبور بين الأنواع الإبداعية؛ فلم يعد الانتماء لجنس أدبي واحد قدراً، فالكاتب قد يكون شاعراً وموسيقياً ومخرجاً رقمياً في الوقت ذاته. أما عن مدى جدارتهم بملء الفراغ: يمتلك الجيل الجديد أدوات جديدة وجرأة في التعبير، لكن بعض نتاجه ما يزال متعجلاً ويفتقر إلى العمق. التحدي الأكبر هو الحفاظ على الصلة بالجذور الفكرية والثقافية حتى لا يتحول الانفتاح إلى قطيعة مع الذاكرة.
نشطت في الآونة الأخيرة حركة النشر بظهور العديد من دور النشر وبروز أسماء جديدة. كيف تقرأ هذا المنجز الثقافي؟
التحول في النشر يمكن قراءته على مستويات عدة: انفراج الأزمة بين الكم والكيف؛ فقد شهدت الساحة وفرة في الطباعة، لكن الوفرة لا تعني بالضرورة نهضة نوعية. دور التكنولوجيا؛ حيث أسهمت وسائل التواصل في ظهور كتّاب جدد، والطباعة الرقمية خفّضت التكاليف وفتحت المجال أمام مبادرات صغيرة. ظهور أصوات جديدة؛ يكتب الجيل الحالي بعيداً عن الأيديولوجيا، بلغة تجريبية متفتحة على الفنون البصرية والموسيقية. إشكالات قائمة؛ لا تزال مشكلات التوزيع وغياب النقد الموازي تؤثر في القيمة، إضافة إلى ظاهرة النشر على حساب المؤلف، التي تهدد المعايير المهنية.
ما الأثر الذي ستخلّفه الح.رب على المشهد الثقافي؟ وهل كانت الثقافة بريئة منها؟
بلا شك ستترك الح.رب أثراً مدمراً، لكنها ستولد أيضاً طاقة جديدة للخلق. فكما أن الح.روب الأوروبية أنجبت الوجودية والسريالية، فإن الح.رب السودانية قد تفرز أدباً جديداً يكتب من موقع “الناجي” لا “المؤدلج”. الح.رب دمّرت البنية التحتية الثقافية وشرّدت المبدعين، لكنها جعلت من الثقافة وسيلةً للبقاء وأداةً للذاكرة. جزئياً، نعم، بعض الخطابات الثقافية غذّت الانقسام وأسهمت في تهيئة المناخ للح.رب، في حين تصدت لها أصوات أخرى حاولت التحذير لكن تم تهميشها. الأدب والفن التقطا إشارات الانهيار مبكراً، لكن التحذير لم يتحول إلى فعل سياسي أو وعي جماعي. أما ملامح أدب ما بعد الح.رب، فهي على الأرجح: أدب الشهادة والتوثيق للدمار، أدب المنفى والشتات، فنون تشكيلية وموسيقية توثق الألم والاحتجاج، أدب الذاكرة والمقاومة ضد النسيان. وسيولد من رحم هذه التجربة أسلوب جديد أكثر قسوة وواقعية، وربما أكثر هجينة لغوياً وثقافياً.
وماذا عن تطور الوضع الثقافي خارج الحدود، عربياً وإفريقياً، وانعكاسه على السودان؟
المشهد السوداني يتفاعل بعمق مع محيطه العربي والإفريقي: عربياً، توسعت منصات النشر وبرزت مجلات رقمية أتاحت للكتّاب السودانيين فرصاً جديدة، كما بدأ الاهتمام بترجمة الأدب السوداني إلى لغات أجنبية. على المستوى الموضوعي، تتقاطع التجربة السودانية مع تجارب سوريا والعراق واليمن وفلس.طين في موضوعات الح.رب والمنفى والهويات المتعددة. إفريقياً، يزداد الوعي بالانتماء إلى الفضاء القاري المشترك، ما يفتح الباب أمام تفاعل ثقافي جديد يتجاوز المركزية العربية.
ما أثر ثورة تكنولوجيا الاتصالات على العملية الإبداعية؟
ثورة الاتصالات لم تغيّر وسائط الإبداع فحسب، بل أعادت تشكيل علاقة المبدع بالنص والجمهور. نحن أمام انتقال من ثقافة النخبة إلى ثقافة التداول المفتوح. على مستوى الخلق تعددت الأدوات (الكتابة الرقمية، الفيديو القصير، الذكاء الاصطناعي)، وتحوّلت الذائقة نحو الإيجاز والسرعة. على مستوى النشر انكسر احتكار المؤسسات، وأصبحت وسائل التواصل منصات للنشر والتجريب، مع ما يصاحب ذلك من تضخم محتوى وتفاوت في الجودة. على مستوى التلقي بات الجمهور مشاركاً في التفاعل والنقد، لكن تشظي الذائقة خلق تحدياً بين السطحية والتعمق. باختصار، التكنولوجيا جعلت من الإبداع فعلاً حياً ومفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه فرضت على المبدع تحدي الحفاظ على الجوهر في زمن السرعة.
#ملف_الهدف_الثقافي #إحسان_الله_عثمان #المشهد_الثقافي_السوداني #أدب_ما_بعد_الح.رب #السودان #ح.رب_السودان #النقد_الأدبي #جيل_جديد #المنفى_والذاكرة #ثورة_الاتصالات

Leave a Reply