#ملف_المرأة_والمجتمع
في زمن تهاوت فيه الجدران الأسمنتية بفعل النزاعات والتحولات، لم يتبقَّ للمرأة عامة والعربية خاصة، سوى الجدار الزجاجي للشاشة؛ فضاء أزرق وادع ظاهراً، عاصف مضطرب في باطنه. إنها لم تعد مجرد كائن يسعى للتحرر من قيود البيت أو الشارع، بل غدت تناضل على واجهتين متصارعتين: شاشة تَعِدُها بتمكين جديد، وشاشة تهددها بسجن افتراضي أشد وطأة من سجون الواقع.
من رحم الأزمات، ووسط أصوات القصف وزحمة النزوح، تحوّل هذا الفضاء الرقمي إلى قارب النجاة الأخير. إنه حيث تعيد المرأة المعيلة، أو النازحة، أو رائدة الأعمال، اكتشاف قيمتها الاقتصادية. هناك، تنبت المشاريع الصغيرة من تربة الهشاشة، وتتحول مهارات الطبخ أو الحِرف اليدوية أو الاستشارات إلى عملات رقمية تبقي على كرامة عائلة بأكملها. غدا الإنترنت هو الحبل السري الذي يغذّي الحياة في زمن الخواء، مانحاً المرأة سلطة لم تعرفها من قبل: سلطة الكسب والقرار بعيداً عن أعين الرقيب التقليدي.
السجن الذي لا تُغلق أبوابه
بقدر ما حملت هذه النافذة الرقمية من وعود، بقدر ما انفتح باب الجحيم التكنولوجي. فما هي إلا خطوات قليلة في هذا الفضاء حتى تتحول المرأة إلى “صيد سهل” لمن يمارسون الاغتيال الرمزي. لقد وجد العقل الذكوري التقليدي، الذي ضاق ذرعًا بانفلات المرأة من سيطرته المادية، أداة أكثر فتكًا: التحرش الإلكتروني، والابتزاز، والتنمر الممنهج.
لم يعد الأمر مجرد خلاف عابر، بل أصبح حربًا منظمة هدفها إسكات الصوت الأنثوي، وتشويه الصورة، واغتيال الكرامة الرقمية علانية. أيقونة الشاشة التي حاولت أن ترفع صوتها بالحق أو بالجمال، تجد نفسها فجأة محاصرة بجيوش من الظلال التي لا تنام، تستنزف طاقتها، وتهدد أمنها النفسي والمهني، وتدفعها قسرًا إلى العزلة وإغلاق حسابها؛ أي إلى تدمير متعة البوح والعمل.
في ميزان العدل الغائب
هنا يكمن السؤال الجوهري الذي يستدعي وقفة ضمير ووعي: هل ستبقى المرأة عامة والعربية خاصة حبيسة هذه المفارقة المؤلمة؟ أن تجد في التكنولوجيا مصدر قوتها الوحيد، وفي الوقت ذاته سيفًا مسلطًا على عنقها يُهدد استمراريتها؟
إن القصور التشريعي في معظم بلداننا العربية يُضاعف من هذه المأساة. فبينما تتطور أدوات الجريمة الرقمية بسرعة البرق، تظل القوانين تراوح مكانها، عاجزة عن توفير مظلة حماية حقيقية توازي حجم التهديد.
آن الأوان أن يُدرَك أن أمان المرأة في الفضاء الأزرق هو امتداد لأمنها في الحياة. لا يمكن لنهضة حقيقية أن تقوم، ولا لتمكين اقتصادي أن يزدهر، طالمَا كان الإبداع والعمل محفوفًا بالخوف. يجب أن يتحول هذا الفضاء من مجرد مرآة للازدواجية الاجتماعية إلى منصّة حقيقية للعدالة الرقمية، تضمن للمرأة حقها في العمل والأمان والكلمة، دون أن تدفع ثمن وجودها ونجاحها من عافيتها وكرامتها. وإلا، سيبقى الـ”إنترنت” بالنسبة لها، مجرد قصر زجاجي فخم، تسكنه وهي تعرف يقينًا أنها قابلة للكسر في أي لحظة.

Leave a Reply