التراجع خطوتين: إعادة ترتيب العلاقة بين النضال والسلطة في السودان

صحيفة الهدف

كتب وتحدث قبلي كثير من الكتّاب والنقاد والسياسيين، وقد استوقفهم خطاب الأستاذ علي الريح السنهوري أمام المجتمعين في نيروبي يوم الجمعة 22 مايو 2026، خلال اجتماع قوى إعلان المبادئ السودانية.
وبرغم انشغالي بالشأن السياسي، فإن قراءتي لهذا الخطاب تتجاوز الجانب البلاغي إلى جوهره السياسي في لحظة سودانية معقدة، تتداخل فيها الح.رب مع السياسة، وتتشظى فيها مراكز القرار، وتضعف فيها الحدود بين الفعل الثوري وإدارة السلطة.
في هذا السياق، تبدو العبارة التي استوقفت الجميع: “إن من يتقدم صفوف النضال الآن، عليه أن يتراجع خطوتين عن صفوف السلطة…”
ليست مجرد توصية أخلاقية، بل تعبير عن إشكال عميق في التجربة السياسية السودانية، حيث كثيرًا ما اختلط موقع النضال بموقع السلطة داخل المعسكر الواحد، فتحول التنافس على بناء الدولة إلى تنازع مبكر على إدارتها.
وهذا الخلط تحديدًا هو أحد أسباب ارتباك المرحلة الانتقالية في السودان، إذ لم تستقر القوى السياسية على تعريف واضح: هل هي في موقع بناء مشروع وطني جامع، أم في موقع تقاسم سلطة لم تكتمل بعد؟
من هنا، يمكن فهم الدعوة إلى “التراجع خطوتين” باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، بحيث يُقدَّم هدف إنهاء الح.رب وبناء الدولة على صراع المواقع داخل المعسكر السياسي نفسه، لأن التجارب السابقة أظهرت أن التنافس المبكر على السلطة كان في كثير من الأحيان جزءًا من أزمة الانتقال لا من حلها.
وتزداد أهمية هذا الطرح حين يُنظر إليه في ظل واقع ما بعد الح.رب، حيث تحتاج البلاد إلى حد أدنى من التوافق السياسي قبل الحديث عن تقاسم السلطة، وإلا فإن أي انتقال جديد قد يتحول إلى إعادة إنتاج للأزمة ذاتها بأدوات مختلفة.
في العمق، يعكس الخطاب أيضًا أزمة متكررة في النخبة السياسية السودانية، التي ظلت تعيد إنتاج ذاتها داخل دوائر الصراع، دون أن تنجح في بناء عقد سياسي مستقر يحسم العلاقة بين السلطة والمعارضة، أو بين المشروع الوطني والمكاسب التنظيمية.
ورغم الطابع الأخلاقي الواضح في الفكرة، فإن قيمتها السياسية تكمن في أنها تطرح سؤالًا عمليًا أكثر من كونها دعوة وعظية: كيف يمكن تجنيب المرحلة الانتقالية صراعًا مبكرًا على السلطة قبل تثبيت الدولة نفسها؟
في النهاية، تبدو الفكرة أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف السياسة في لحظة ح.رب، بحيث لا تكون السلطة هي الغاية الأولى، بل نتيجة لاحقة لتوافق وطني أوسع، وإلا فإن الصراع عليها في لحظة التشظي قد يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة السودان بدل أن يخففها.
وفي هذا المعنى، يمكن فهم “التراجع عن السلطة” لا كتخلي عنها، بل كشرط مؤقت لإعادة تأسيسها على قاعدة أكثر صلابة واستقرارًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.