نساء على خط النار

صحيفة الهدف

منيرة محمود
#ملف_المرأة_والمجتمع

الحرب لا تطرق الأبواب، بل تقتحمها بمدافعها، وتترك وراءها ركام البيوت وأشلاء الأحلام. منذ اندلاعها في السودان، تحولت حياة النساء إلى ساحة عذابات متواصلة؛ قصف جوي يلاحقهن، تهديدات جسدية لا تنتهي، وانعدام للأمان يطارد خطواتهن أينما حللن. الجوع صار ضيفاً دائماً على موائد فارغة، والأطفال يدفعون الثمن الأكبر: مرض بلا دواء، خوف بلا حدود، وبكاء لا ينقطع.

في قلب هذه المأساة، تضطر آلاف الأمهات والشابات إلى النزوح. رحلة محفوفة بالمخاطر، أشبه بالفرار من موت إلى موت آخر: غياب الخدمات الأساسية، ماء ملوث بالكاد يُشرب، انقطاع الكهرباء والاتصالات، غياب مأوى يحمي الجسد، وخطر يتضاعف على النساء الحوامل اللواتي يضعن أطفالهن في ظروف لا تليق بالحياة.

قصة “أمينة” تجسد هذه المأساة. تركت بيتها في أم درمان بعد أن تساقطت القذائف قرب منزلها. حملت أطفالها الثلاثة وسارت أياماً على الطرق الوعرة حتى وصلت إلى الحدود. هناك، اكتشفت أن النزوح ليس خلاصاً، بل فصل جديد من العذاب: مأوى مكتظ، غذاء شحيح، وأطفال ينامون على الأرض الباردة.

أما “سارة”، الشابة الجامعية التي كانت تحلم بإكمال دراستها في الخرطوم، فقد وجدت نفسها في معسكر نزوح داخل السودان. لم تعد الجامعة سوى ذكرى بعيدة. الآن، تستيقظ كل صباح لتقف في طابور طويل من أجل جالون ماء، بينما يلتهمها شعور بالفقد: فقدان التعليم، الوظيفة، وكرامة كانت يوماً ما مسلّمة. تقول بصوت مبحوح: “الحرب لم تقتل أحلامنا فقط، بل سرقت هويتنا.”

لكن، في مقابل هذا النزيف اليومي، يجلس الجنرالان – برهان وحميدتي – يتبادلان الخطابات العنترية، وكأن البلاد ملعب شخصي لتصفية حساباتهما. أحدهما يتخفى وراء شعارات “السيادة”، والآخر يزعم أنه “حامي المستضعفين”، بينما النساء يُسحقن بين كماشة الأكاذيب والرصاص. لقد حوّلا السودان إلى رهينة لرغباتهما، وبدلاً من أن يكونا قادة أمة، أصبحا أشبه بتجار جملة يبيعون الموت ويوزعونه على الأقاليم.

الحياة في المنافي القسرية لم تكن أرحم. فحتى حين تعبر النساء الحدود، يجدن أنفسهن وجهاً لوجه مع التمييز، البطالة، والمهانة اليومية. كثيرات يعملن في مهن هامشية لا تسد رمقاً، بينما يتآكل دخلهن أمام غلاء فاحش. آخرون عدن إلى السودان رغم الخطر، لأن حياة المنفى صارت شكلاً آخر من الموت البطيء.

هذه المأساة ليست قدراً أعمى. إنها جريمة مكتملة الأركان، صنعها طموح أعمى لجنرالين يعتقدان أن الكرسي أهم من الوطن، وأن الحرب مجرد ورقة مساومة في بازار السلطة. لكن الحقيقة أن كل طلقة يطلقانها هي مسمار جديد في نعش السودان، وكل يوم يستمر فيه نزاعهما هو يوم إضافي في عمر المأساة.

إن معاناة النساء في السودان اليوم ليست مجرد قصة إنسانية، بل فضيحة سياسية وأخلاقية. والسكوت عنها يعني التواطؤ مع القتلة. لا بد أن يتوحد الشرفاء من أبناء الوطن، رجالاً ونساءً، مدنيين وعسكريين، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، لوقف هذه الحرب العبثية.

فلا مستقبل لوطن يُدار بالرصاص، ولا كرامة لشعب يُذل في المخيمات.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.