#ملف_المرأة_والمجتمع
في الجغرافيا الممزقة بين الحصار والحرب، يولد صوت المرأة كجرس لا يخفت صداه، يوقظ ذاكرة الأرض، ويكتب للتاريخ شهادة من لحمها ودمها. هناك، حيث تتداخل رائحة البارود مع حليب الأمهات، تقف المرأة الفلسطينية بملامحها المنحوتة من الصبر، تشبه شجرة زيتون تحدّت صقيع القرون.
وهنا، في السودان، تخرج المرأة من رحم المآسي كالنيل حين يفيض، لا يقبل الانكسار، ولا يعرف الاستسلام، فالكيان المغتصب واحد ولو اختلفت الديانات واللغات، وتلاعبت الحروف بين عربية وعبرية، فكلاهما عسكر تختلف الأزياء والانتهاك واحد.
هي المرأة، كلّ امرأة، ظلّت عبر الأزمنة عتبة الحياة ومفتاح الخلود، لكن في فلسطين والسودان تلبست روحها معنى آخر؛ تحولت من مجرد حارسة للحياة إلى أيقونة للبطولة. ففي المخيمات كما في الحقول، في الساحات كما في المعتقلات، كانت المرأة تُعيد للزمن كرامته وللشعوب هويتها.
ما بين جدار الفصل في فلسطين ومتاريس الاعتصام في الخرطوم، تنسج خيوط الحكاية ذاتها، جسد هشّ أمام آلة البطش، لكنه محمول بإرادة أشد صلابة من الفولاذ.
في الليل الطويل، لم تكن هي صدى الحكاية فحسب، بل كانت الحكاية ذاتها، مَن ولدت من رحمها الحرية، وأرضعت أطفالها لبن الصمود.
لقد التقت المرأتان، رغم تباعد المسافات، عند ضفة واحدة: ضفة النضال ضد العتمة، ورفض أن تُختطف أوطانهنّ. لم تكونا مجرد شهيدات أو أسيرات أو مهجّرات، بل كانتا ضميرًا حيًا للأمة، يُذكّر بأن الدم حين يسيل يصبح لعنة على الجلاد، ونبوءة بأن الحرية ستولد ولو بعد حين.
إنها وحدة المصير الإنساني والقومي والوطني، حين تتشابه ملامح الوجع، ويتحوّل الألم إلى جسر تعبره النساء من الضفة إلى الضفة، حاملات على أكتافهنّ أحلام شعب بأكمله. فالمرأة الفلسطينية والسودانية لم تكونا وجهين متوازيين للتاريخ فقط، بل روحين تلاقيا في معركة واحدة، كأنهما تنسجان قصيدة مشتركة عنوانها: إرادة لا تُقهر.
إن لسان حال النساء السودانيات، اللواتي يقفن على وسائد الوعي المستمد من منهجهن الجدليّ العلميّ التاريخيّ، يفيض شهادةً حيّةً من رحم الحياة. فهؤلاء السيدات وبنات الشعب، وهن يخضن معركتهن المستمرة في مواجهة آلة الموت، لم يغب عنهن الاحتفاء بانتصار سردية المقاومة في المحفل الدولي بالأمم المتحدة وما يعرف بإعلان نيويورك، حيث هزمت سيرة الصمود الفلسطينيّ، المجبولة على إنجاب الأبطال، سردياتِ الع.دو الص.هيو.ني وحلفائه. لقد كان هذا الانتصار ثاني أكبر معركة بعد الإعصار الأول في السابع من أكتوبر.
إنّ صاحبات المنهج، الماجدات في صفوف تنظيمات الوحدة والحرية والاشتراكية، لم يكتفين بقراءة التاريخ، بل امتلكن بصيرته. يدركن درسًا خطّه الشرف على أرض “صدام”، ويستشرفن المستقبل الذي يرسمه أبناؤه اليوم بمداد العزم. حين ينظرن إلى الزخم الذي أحدثته المقاومة الباسلة في أرض الأقصى، لا يملكن إلا أن يُطلقنَ وعدًا جديدًا، بأنّ فجرَ الانتصار في أرض النيلين قادمٌ لا محالة.
إنهن على موعدٍ مع حلم التحرير والانعتاق، سيَدْحَرْنَ قوى الشر والتبعية، أذيال الاستعمار والصه.يون.ية من كل جنس ولون وعسكر. فالماجدات من نساء السودان لا يخلفن الوعد، فلهن في ثورة ديسمبر أسوةٌ حسنة، وفي كل نبضةٍ من نبضات الكفاح، قَسَمٌ على المضي قُدمًا حتى الفجر.

Leave a Reply