أحمد مختار
ينتمي د. نصرالدين عبدالباريء إلى المعذبين في الأرض، ويتذكّر الجميع، كيف غادر حين عودته، بعد ثورة ديسمبر 2019م من المطار مباشرة إلى حي مايو الفقير جنوب الخرطوم -الذي يقطنه ضحايا الحروب والنزاعات_ لمقابلة والدته وأُسرته وأهل الحي الذي خرج منه إلى فضاء العالم ومدارج الجامعات العالمية المرموقة، وكان وقع تلك الزيارة طيّباً في نفوس أهل السُّودان، واستبشروا بأن الرجل يحتفظ بموقف أخلاقي وإنساني من المظلومين والمقهورين في وطنه، وبعد تنسّمه منصب وزير العدل، ارتفع سقف وتوقعات الجماهير السُّودانية المتعطّشة للحرية والعدالة والمساواة والإنصاف ورد الحقوق، ليس في السُّودان فحسب، بل في كل المنطقة العربية والإفريقية، التي يرتبط بها السُّودان، فالعدل والحق والحرية، قيم لا تتجزأ، وما تطلبه لنفسك وشعبك لا يمكن أن تُحرّمه على غيرك، خاصة إذا كان هذا الحق معلوم تاريخياً، ويعرفه كل أحرار العالم ومنظماته الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان واستقلال الشّعوب، كحق الشّعب الفلسطيني في الوجود في أرضه وفق ما نصّت عليه القوانين والمعاهدات الدولية.
ولكن كما يقول المثل (ليس كل ما يلمع ذهباً) فقد أثبت وزير العدل السّابق من خلال مواقف مُعلنه أنّه ليس من طينة الملايين من أصحاب الضّمائر الحيّة، الذين خرجوا في العديد من دول العالم منددين بجرائم الدولة التي يدعوها د.نصرالدين لدعم الديمقراضية في السُّودان، ويدعو الشعب السُّوداني للاستفادة من خبراتها في مجال التكنولوجيا والأمن والزراعة، والشّعب السُّوداني أكثر من نصفه مشرّد في الخارج والنّصف الآخر يعاني قهر الحياة وويلات الحرب وإفرازاتها. ويحدثنا الوزير أنه وقّع في وقت سابق نيابة عن الشّعب على اتفاقيات!!! تسمح بإلغاء قرار المقاطعة التّاريخية من برلمان الشّعب المنتخب منذ العام 1958م، والذي جدّدته قمة اللّاءات الثّلاث في الخرطوم في العام 1967م.
إنّ مقال دكتور نصرالدين عبدالباريء يكشف بلا لبس عن انحياز فكري وسياسي وأمنى واضح لمنظومة الاحتلال الإجرامية التي لم تتورّع من ممارسة أبشع أنواع الجرائم والانتهاكات والمجازر الدّموية والإبادة الجماعية والبطش بحق الفلسطينين، وهم يدافعون عن أرضهم وحقّهم في الحياة والحرية والعدالة التي يدّعيها الوزير. فعبد الباريء وفق مجايليه في الجامعة، لم يُعرف له طيلة حياته في جامعة الخرطوم أي نشاط سياسي أو ثقافي أو اجتماعي أو موقف بجانب العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل المعروف عنه أنه طالب أكاديمي منطوي على نفسه ومنغلق، يحفظ المقررات الأكاديمية ويحرز أعلى الدرجات في مواد القانون الجامدة، حتى تخرّج وغادر بعد ذلك السُّودان إلى الخارج لإكمال الدّراسات العليا، ثمّ العمل في جامعات عالمية مرموقة، ليعود بعد الثّورة مع العائدين من المنافي البعيدة، ليتبوأ مقعد وزير العدل بتلك الشّهادات الأكاديمية وحدها.
وليس هذا هو المهم في مقاله، ولكن أن يتجاوز (وزير عدل) مواقف ثورة أبهرت العالم في المطالبة بالحقوق والعدالة والسّلام، وحملته على أكتافها للمنصب أن يتجاوز مواقفها الداعمة للشّعب الفلسطيني وحقه في الحياة على أرضه، ويتغاضي عن المجازر التي ظلّت تُرتكب بحقّه لأكثر من سنتين، فهذا ما يثير الرّيبة والشّك في منطلقات الوزير ونواياه ودوافعه في المقال، ويقود المراقب لشئون السّياسة والصّراع في المنطقة إلى الرّبط بين موقف الوزير وبين سعي الكيان الصهuوني لتجنيد عملاء له في كل دول المنطقة تحت أغطية أكاديمية في جامعات أوربا ومراكز البحوث، مثلما فعل مع علماء إيران، فالوزير لا يشغل الآن أي موقع حكومي أو دستوري يُؤهله للخوض في قضية شائكة أوالحديث عن علاقات السُّودان مع (اسرائيل المحتلة) وسع ب العالم تحاكمها في الشوارع وفي قاعات المحاكم والمحافل القانونية، فهل الوزير ينفّذ في مخطّط سابق كُلّف به ولم يسعفه الوقت لاكماله؟ وماذا في جُعبته من اسرار التّطبيع والتّماهي مع المشروع الأمريكي في المنطقة “ابراهام”
إنّ القضية الفسطينية لم تعد موضوع مساومة للانظمة والحكومات، بل مشروع مقاومة انتزعت مشروعيتها بالدّم والأرواح والسّجون والتّمسّك بالأرض وحق شعبها في الوجود والاستقلال والحرية منذ العام 1948م ومازالت قناديل شهدائها تُضيء للبشرية طريق الخلاص من توحّش الأمبريالية وآليات الدمار الحديثة، التي لم تراها عيون وزير العدل السّابق، ولم يتوقّف قلمه عند هتافات ملايين المتظاهرين في شوارع بلدان العالم، بعد أن هزّت ضمائرهم مشاهد الكارثة الإنسانية التي تجري في فلسطين. كيف يكون المرء حراً وشريفاً ومتصالحاً مع نفسه، وهو يغض الطّرف عن ما يجري في غزّة؟ الجواب قدّمه -مجاناً- شعب جنوب إفريقيا العظيم الذي أنجب نلسون مانديلا، وكيفما تكونوا يُولى عليكم.
إن أسوأ ما في الوجود أن يخون المرء ضميره ويتنكّر لتاريخ شعبه ومواقفهم…

Leave a Reply