منعم مختار
#ملف_الهدف_الثقافي
في الزمن الكئيب الذي تتكدر فيه الرؤى، ويضيق فيه صدر الكثيرين، ينهض التباين الثقافي مثل نخلة في أرض الطين، شامخة، ثابتة الجذور، متعددة الأغصان. فليست العادات والتقاليد المتنوعة التي يحملها الناس في صدورهم عبئًا ينبغي التنكر له، بل هي ميراث من نور، وتعدد يفضي إلى وحدة إذا ما امتلك الناس بوصلة العدل ونبض الاحترام والتقدير.
إن اختلاف اللهجات، وتنوع الأزياء، وامتداد المواسم بين المدى والمدى، ليست مظاهر شتات، بل هي مقامات تغني لحن الهوية. ففي رقصة من شرق، وقصيدة من غرب، وحكاية من شمال، ومزحة من جنوب، تنبع الحياة، كما تنبع المياه من عينين في تلة واحدة لتسقي الأرض بلا تفرقة.
ولئن اختار البعض “معروف لدى الجميع” أن ينفخ في نار الجهوية، ويشعل فتيل القبيلة في وجوه الوطنية، فإنما يزرعون شوكاً في الطريق، ويقصّون أجنحة الطير قبل أن يحلّق. إن الترويج للتميز بحسب الجهة، أو المفاخرة بالقبيلة على حساب الوطن، هو ضرب من الخسران، يفتك بروح الأمة ويبدد حلمها الجماعي. فما بالك بمن يحوّل التنوع إلى سبب للفرقة، ويجعل من الاسم أو النسب سيفاً؟ أولئك لا يبنون وطناً، بل يحفرون قبوراً في الذاكرة.
فليكن التسامح زادنا في هذا السفر الطويل، والاحترام مركبنا في بحر كثير العواصف. لا تكتمل الهوية إلا إذا احتضنت المختلف، وإذا رأت في الغريب شقيقًا، وفي الآخر مرآة لما ينقصها. فحين يُحسّ الفرد بالأمان في اختلافه، ويُصغى لصوته كما يُصغى للناصح، تنمو المجتمعات مثل حدائق استوت فيها الشمس والمطر.
الإعلام، إن صلح، كان قلبًا نابضًا للأمة، وإن فسد، كان مطرقة في يد الجهل. مسؤولية الإعلام لا تقف عند حدود التسلية، بل هي أمانة ثقيلة في عنق من يحمل الكاميرا والقلم. عليه أن يزرع بذور الحكمة، لا أشواك الفتنة، وأن يروّج لمفردات الانسجام، لا أن يلهج بألفاظ التمييز. فكل شاشة تنقل الكراهية، وكل منبر يفتن الناس، إنما يكتب في دفتر التاريخ ما لا يُمحى.
التباين الثقافي ليس مفرق طريق، بل هو جسرٌ يُفضي إلى الوحدة. في كل رقصة، وفي كل بيت تُقرأ فيه قصة الأجداد، تُولد الذات الوطنية من جديد. وحين نطرد الكراهية من قلوبنا، ونجعل الاحترام قانونًا غير مكتوب، نبدأ رحلة لا تنتهي نحو وطن نُحب فيه بعضنا كما نحب الأرض حين تبتسم إبان الخريف.

Leave a Reply