د.أحمد الليثي
في هذا الزمن الردئ، حيث تتناسل البنادق أكثر من الكلمات، ويعلو صدى المدافع فوق أصوات الحكماء، يقف دعاة السلام في السودان وكأنهم أنبياء في زمن الغضب، ينفخون في رماد الوطن بحثًا عن جمرةٍ من رجاء.
حديثهم ليس صراخًا، بل همسٌ هادئ في زحام الفوضى، يقولون: “الوطن لا يُبنى على جماجم أبنائه، ولا تعمر الأرض بنار الحقد”، لكن من يصغي؟ من يملك القلب المفتوح لسماع العقل في زمنٍ اختُطف فيه العقل، وذُبح فيه الضمير على مذبح الطمع والسلطة والدم؟.
دعاة الحرب يلبسون أثواب الوطنية، ويصرخون باسم الكرامة، لكن أي كرامة في تشريد الملايين، في دفن الأطفال أحياء تحت الأنقاض، في تمزيق القرى والمدن؟
أما دعاة السلام، فحكايتهم صبرٌ ومحنة، لا سلاح لهم سوى الكلمة، ولا درع لهم إلا الضمير، يكتبون في الظلام، يسيرون بين الحفر، ويزرعون الورد في أرضٍ تعودت على الدم.
إنهم يعلمون أن السلام ليس ضعفًا، بل شجاعة من نوعٍ آخر؛ أن تقف في وجه الموجة العاتية وأنت عارٍ من كل شيء إلا من إيمانك بالإنسان.
يعرفون أن الصلح أصعب من الحرب، وأن الكلمة الطيبة أغلى من الرصاصة، وأن كسر دائرة الكراهية أشبه بتحطيم سلسلة قديمة نسجتها قرون من الظلم والتشظي.
حديث العقلاء في السودان اليوم ليس ترفًا ولا شعارات؛ إنه نداء الروح الأخيرة، ومحاولة يائسة لردّ البلاد من حافة الهاوية.
قد لا تُسمع أصواتهم الآن، لكنها تنبت في الضمائر الحيّة، وتكبر في القلوب التي لم تتيبس بعد، وسيأتي يوم يصبح فيه حديثهم دستور أمةٍ أرادت أن تحيا رغم كل شيء.
فلا تُغلقوا آذانكم عن العقلاء، فهم آخر من تبقى قبل أن تُطفأ الأنوار.

Leave a Reply