يضحك على بكائنا الآخرين

صحيفة الهدف

محمد حماد عبد المنعم

مضت سنون وذهبت أعياد سعيدة أيضًا..
فرحنا طاعةً وعرفانًا وشكرًا للّٰه سبحانه وتعالى؛ وندعوه أن يعم الخير والتسامح والسلام جنبات العالم. وفي هذه الأيام وقبلها تألم ويتألم الملايين في بقاع الكرة الأرضية، في السُّودان وفلسطين خاصة – هذين البلديين المنكوبين – من التشريد، والجوع، والمرض، والخوف؛ فنسأل الله أن ينصرهما ويوفقهما، ويطعمها من جوع ويأمنهما من خوف.
ولعل ثورتنا السُّودانية المجيدة، التي تحمل بكل فخر شعار السلام من ضمن الثلاثة شعارات المركزية للثورة “حرية، سلام وعدالة” قد وضح أثرها على أفراد الشعب السُّوداني، متمثلة الأدوار في “الجمعيات الخيرية، والمنظمات الوطنية، والتكايا والمطابخ، وغرف الطوارئ..” للمساهمة في إنقاذ أبناء بلدهم من الشتات ونكبات الحـرب.
وبينما تجاهد الجمعيات والمنظمات الخيرية والوطنية والتكايا والمطابخ وغرف الطوارئ؛ لتدعم العالقيين في مناطق الحروب والشدة ومراكز الإيواء، وتقدم لهم المساعدات الإنسانية، يجب كذلك أن تتحرك فوراً كل “قوىٰ التقدم والنهوض السّياسية والاجتماعية والأجسام النقابية” لتنظيم نفسها أولاً ثمَّ تنظيم الجماهير، لرأب صدع النزاع والخلاف بين أطرافه جميعهم، المضرم منذ منتصف شهر أبريل عام 2023م حتى نصل جميعنا إلى حلٍ سلمي مُرضٍ يُسعد الجميع؛ بأمل عودة السُّودانيين إلى ديارهم للتعمير والبناء ومعالجة كل ما تم تدميره وخرابه بالكامل، بلا منازع.
ولا شك في أن مشاعر الأخوة والحب والنبل السُّودانية راسخة في قلوبنا جميعًا؛ ولا يزال كذلك قبس الأمل في العودة إلى نعيم السلام، والأمان والاستقرار يغمر الروح السُّودانية. وإذا نظرنا وتمعنّا في “النـزاعات والصراعات السُّودانية” لرأينا أنّ هذه الصراعات، والنزاعات مطية من أجل أغراض سّياسية وثروة، وكل طرف من الأطراف يعتقد جازمًا أنه صاحب حق أصيل؛ وأنّ الطرف الآخر على باطل! فتزيد الفُرقة ويزيد النـزاع حدة وتطرفًا وغلو؛ وتحت ظلّ هذه الظروف تنتشر سُحُب الظلام وتعلو صِيحات الضلال، لتغرس أظفار الشر في قلوب الناس فلا تزيدها إلا تعصـبًا وإرهــابًا وتطــرفًا وانحـ ـرافًا.. ويحل العنـف محل العفو، ويجف من القلوب النفع، ويغلفها العفن.
مرت سنون على السُّودانيين، فلم يعد الإحساس بالفرحة والسعادة، لا في شهر رمضان أو العيد أو أيام اللّٰـه.. كسابق عهدهم! إذ باتت كل أيامهم تكدرها الآلام والمعاناة والأحزان والمآسي والجراحات.
وإذ فقدت الخطابات السّياسية صدقيتها، ولم تستطع المحاكم الدولية أن تضع حلولِا جذرية لمعاناة شعوب كوكبنا الصغير، هذا سوى فقط لضمان مصالحها وأطماعها في ثروات هذه الشعوب. أما الخطابات الدينية، التي كانت تعلي من شأن الإنسان والحياة فقد ارتَدت رداء السواد والمــوت، واندفعت لترفع رايات الجهل المدّقع وتهميش العقل، ولتُبَشِّر وتُحذر؛ وأكثر تلك الرايات باتت تعكس أطروحات هامشية ركيكة بعيدة عن الواقع وأعوجاج الحال والأحوال؛ ولا ندري لماذا تنادي تلك الخطابات الدينية المحورة سياسيًا بالعذاب والآلام والشقاء! لدين السلام والرسالة العالمية، الذي يُشِّد بالثواب والرحمة والأمل والتفاؤل والهناء الشخصي والاجتماعي، لينقلب بذلك الإحساس بالأمن إلى وسواس مِحَن يجري في دماء الناس والغلابة والبسطاء، ملوثًا بالعـنف والسّـب والشتم، واللـعن للنفس والأوطان؟!
وإن كثيرين باتوا يشتكون بأنّ أيام هذا الزمان وأعياده ومناسباته واحتفالاته تغيرت عما كانت عليه في الماضي، وأنها أصبحت مملة! بعد أن حُجبَت السعادة وتبرقع وجه الفرح عنها؛ وأصبح الكّل في العيد وغير العيد بعيدًا، أما مواطن مسافر أو غريب في وطنه أو مشرد وبين نازح ولاجئ ومهاجر.
فأي “أملٍ وأي عملٍ..” يستطيع أن يقوم به البائس الباكي؟!
وأي “ثقافةً أو إبداعٍ..” يستطيع أن يُقدّمه اليائس الشاكي؟!
“إذ نحنُ لا نريد أن يكون: أملنا مَوْت، وعملنا فَوْت، وثقافتنا صَوْت..”
فشعوب العالم تتقدم حتى تبني لها منزلًا وتكون لها منزلة في سُلّم الحضارات، ونحن نتراجع ونُكسّر أعمدة تراثنا وثقافتنا السُّودانية المتعددة والمتمايزة، ونهدم أطلال إنجازاتنا لكي نبكي ويضحك على بكائنا الآخرين.
وأخيرًا وليس المنتهى: ما عاد العلمُ وحده طريقًا للتقدم والنهوض والإزدهار. وكما قال الشاعر أحمد شوقي:
وإنّما الأمم الأخلاق ما بَقِيَت.. فإنْ هُمُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.