مجدي علي
“عاش حياة مفعمة بالتحديات وناضل نضالًا شريفًا”. بهذه الكلمات المعبرة نعت وانجيكو أباها المناضل الثائر نغوغي وا ثيونغو..
نعم.. عاش نغوغي سبعًا وتمانين عامًا من عمره وهو يتمسك بقناعاته ويدافع عنها.. نضالًا بلا هوادة من أجل الحرية، والتزامًا بمبادئ الدفاع عن العدالة والهوية الثقافية الإفريقية.
ثمة لحظات فارقة في حياة الرجل المفعمة بالتحديات.. يروي نغوغي أنه عاد يومًا من المدرسة في إحدى العطل وهو طفل بعد، ليرى أن قريته قد سويت بالأرض، وأن شقيقه الأصم قد قتل برصاص جندي بريطاني، في إطار حملات القمع، التي مارستها سلطات الاستعمار في وجه حركة “ماو ماو” المطالبة بالاستقلال، شكّلت تلك التجربة لحظة حاسمة في حياة نغوغي، وبدأت فيه بذرة التمرد ضد الاستعمار البغيض..
وحينما اعتقل في العام 1977م، بسبب مشاركته في عرض مسرحي شعبي بلغة الكيكويو، لأن العرض المحضور أزعج السلطات، كتب في زنزانته روايته “شيطان على الصليب”، التي قال فيها “إن الاستعمار التقليدي لم يزد عن أن غيّر جلده، بجلد حديث سماه الإمبريالية الجديدة”، كان ذلك إعلانًا داويًا للرفض والمقاومة، مؤكدًا أن ثمة أعداء آخرين..
إزاء هذه الأحداث المؤثرة اختار نغوغي طريق الكفاح في وجه الاستعمار ووكلائه المحليين، بدأت ثورة نغوغي بإعلانه تخليه عن اسم (جيمس) الغربي، لصالح اسم (نغوغي) الكيني الأصيل، إيذانًا بانسجامه مع مسعاه “تصفية العقل من الاستعمار”.. ثم اتخذ قراره بالكتابة بلغة الكيكويو، لغته المحلية الأم ، لا الإنجليزية، متحدّيًا اللغة، التي صنع بها الاستعمار حداثته ومعاييره الثقافية.. ذلك القرار، الذي وصفه الكاتب الكيني ديفيد مايو يومها بأنه “كان يبدو مجنونًا… وشجاعًا في الوقت ذاته”..
كان إعلان نغوغي أنه استبدل لغته المحلية باللغة الأولى في العالم إعلانًا داويًا للرفض والمقاومة، وبأن اللغة ليست أداة أو وسيلة، لكنها هي ميدان الصراع. وأن الكتابة باللغات الأفريقية الأصلية هي وسيلة للمقاومة الثقافية ومكافحة الإمبريالية.. وهكذا اعتلى نغوغي قائمة المدافعين عن استخدام اللغات الإفريقية الأصلية في الأدب، ورفض الأنظمة الاستعمارية، وما بعد الاستعمارية وكل أشكال القمع الثقافي والسياسي، فذاع صيته وترجمت كتبه إلى لغات عدّة في القارات الخمس.
في التحليل العميق لأدب ما بعد الاستعمار، يقف نغوغي وا ثيونغو واحدًا من القلائل الذين سعوا لخلخلة الأسطورة الاستعمارية التي جعلت من اللغة أداة للإخضاع لا للتعبير، ومن الكتابة طريقًا لصياغة الوعي.. لم يقف قلمه على نوع أدبي واحد، كتب الروايات والمسرحيات والمذكرات الشخصية وكتب أطفال، مثلما أدهش العالم بمقالاته النقدية العميقة، وقد نجح من خلال هذا التنوع المعرفي في تقديم تحليلات عميقة لتأثيرات الحكم الاستعماري المدمرة على مجتمعه في كينيا. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال أولي نغوغي اهتمامًا كبيرًا لدور المثقف في مرحلة ما بعد الاستعمار، متمسكًا بدعوته الحاسمة في المناداة بالمسؤولية الأخلاقية للكتاب والمفكرين في قيادة التغيير الاجتماعي وقيادة مسيرة النهضة والتقدم، ولعل هذا ما عرض حياته في كثير من محطاتها للرقابة والسجن والنفي القسري..
ولأن نغوغو أدرك أن النضال الثقافي لا يقل أهمية عن النضال السياسي، فقد كرس كل حياته المفعمة بالتحديات لإعلاء القيمة الثقافية للشعوب الإفريقية عبر طريق الدعوة للحفاظ على التقاليد الأفريقية الأصيلة وتطوير هوية ثقافية أفريقية قوية ومستقلة.
لا شك أن قراءة المشروع الأدبي والثقافي والفكري لصاحب “بتلات الدم”، لن تنسجم خارج قراءة نزعته المتمرّدة على الاستعمار الغربي وقيمه، وانحيازه التام للهوية المحلية والإفريقية، بيد أن هذا لا يقلل من قيمة أعماله ورؤاه الواضحة للوصول إلى العدالة الاجتماعية والنضال الطبقي، حيث ظلت دعوته هي النضال من أجل مجتمع عادل، اشتراكي، وخالٍ من الطبقات.
برحيل نغوغي، أحد أبرز رموز إفريقيا الثقافية والنضالية، فقدت القارة أحد أنوارها الأدبية، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا سيظل يضئ درب الأجيال المقبلة، وليس أدل على ذلك إلا ما قاله الرئيس الكيني، وليام روتو، في نعيه لنغوغي: “لقد أسدل عملاق الأدب الكيني قلمه للمرة الأخيرة، لقد ترك بصمة لا تُمحى في فهمنا للاستقلال والعدالة الاجتماعية، ولأوجه استخدام السلطة وسوء استخدامها.”

Leave a Reply