أرجى الله في الكريبة

صحيفة الهدف

بروف أمير محمد حسين إبراهيم

كان زمنًا تُخلق فيه الحياة من أبسط الأشياء، زمنًا يصوغ فيه الأطفال أحلامهم من ورق الجرائد، وشوك السدر، وسيقان الذرة اليابسة. زمنًا تتنفس فيه الأرض بهدوء، وتُلقي السماء بظلالها برفق على قرًى وادعة، كأنها أسرار خبأها الزمان في حضن الطبيعة. في ذلك الزمن، وطأتُ الكريبة لأول مرة.

الكريبة، القريبة من مدينة ود مدني غير بعيد من النيل الأزرق في وسط السودان، لم تكن قريةً فحسب، بل لغزًا نسجته الأسطورة بخيوط رقيقة من الدهشة، اسمُها يُتلى كالدعاء: “أرجى الله في الكريبة.”

ولكن من ذا الذي يعرف اليقين؟ ماذا نرجو؟ ولماذا هنا؟
تتناسل الحكايات في صمتها العميق.

منهم من قال إنّ الإنجليز جعلوها يومًا “كرنتينة” للكوليرا، يُعزل فيها المرضى، ويُتركون وحدهم ليرجوا الله في صمت، بين الحياة والموت.
ومنهم من قال إنها حكاية ود كنان، حفيد ود مدني، حين أسند رأسه ذات مساء على حجر زوجته وهو يلهج بالأوراد فغلبه النعاس. جاءها خبر وفاة أبيها، فسكتت، خشية أن تُعكّر عليه سكينته. وحين استفاق، رفع يديه للسماء ودعا الله أن يُعيد الميت إلى الحياة، وأن يمنح الكريبة ثلاثين عامًا بلا موت. ومنذها، جاء الناس إليها يرجون الله… أو هكذا تقول الأسطورة.

كانت الكريبة عالمًا متفرّدًا، طينها ناعم كقلوب أهلها، وبيوتها مطمئنة في حضن الخضرة، تحيط بها أسوار من شوك السدر وسيقان الذرة كأنها تحرس شيئًا أثمن من الذهب. الحيشان مترامية، بلا حدود، وكأنها تعيش بلا أسرار.

كان إذا أُرسل طفلٌ لشراء السكر والزيت من الدكان الوحيد، يعود بعد ساعات وقد شارك في زفّة عرس، أو وقف عند بيت عزاء، أو تسكّع مُصغيًا لزغرودة في ختان صبي.

الحياة هناك كانت مثل نهرٍ بطيء، لكنه عميق؛ يجرفك معه في كل الاتجاهات، ويغسل عنك ما ظننته مهمًا.

في ذلك العالم، صنعتُ أول ألعابي:
مروحة ورقية من صفحة جريدة قديمة، ثبّتها بشوكة سدر في ساق ذرة، وزرعتُ في قلبها بعرةً واحدة من روث الغنم، لتثبت.
بعرةٌ واحدة، لكنها كانت كافية لتدور في وجه الريح.
كنت أركض خلفها، أضحك كلما دارت، وأركض مجددًا حين يسكن الهواء.

مشينا في الطُّرُقات الترابية، أنا وأصحابي الجدد، نترك آثار أقدامنا بجانب خُطى الحمير والبهائم، كأننا نطبع على الأرض ختمنا الأول.

لكن الكريبة، رغم دفئها، لم تكن تخلو من شغبها.
كنتُ “حنكوشًا”، جاء من المدينة بملابس مكوية، وحذاء لامع، وهيبة لا تليق بالصبية.
كان بعضهم يُصرّ على اختباري.

لكنني كنت أملك خططًا لا تخطر إلا في عقل ابن المدينة:
أبدأ بخطبة مؤثرة عن التعقّل أو رابطة الدم.
فإن لم تُفلح، واجهتُ زعيمهم مباشرة، بكل ما أُوتيت من قوة.
وإن استعصى الموقف، أركض، وأركض، وأركض، كأن الريح نفسها تهبّ في ظهري، حتى أصل إلى جدتي.

أما الليل…
فالليل في الكريبة كان نسيجًا آخر.
حين تغيب الشمس، وتغشى القريةَ عتمةٌ وديعة، يبدأ الكون سمفونيته:
صرصرة الجنادب، نقيق الضفادع المتقطع، حفيف الأشجار، نهيق بعيد… كأن الأرواح نفسها تتحدث.
كنت أستلقي في الحوش، أعدّ النجوم، وأصغي.
أشعر أن الكريبة تهمس لي بأسرارها؛ أسرار لم يُؤذن لي بعد بفهمها، لكنها حفرت في روحي مجراها.

وعندما حان الرحيل، وقف أهل الكريبة جميعًا لوداعنا.
حتى الصبية المشاكسون، كانوا هناك، يلوّحون بأكفّهم الصغيرة.
صعدتُ إلى البص بجوار جدتي، ممسكًا مروحتي الورقية كما يُمسك الصوفي مسبحته.
تحرّكت الحافلة، وغابت الكريبة شيئًا فشيئًا في ظلالها.
لكن أصواتها، وصور حيشانها المفتوحة، ظلّت تسكنني، كأنها وعدٌ ألا أنساها أبدًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.