إدريس عكاشة محمد علي: المحامي والمناضل النوبي الذي حمل هموم الأرض والتاريخ والهوية

صحيفة الهدف

بقلم: د. أبوذر محمد علي إدريس

رحل الأستاذ إدريس عكاشة محمد علي، المحامي والمناضل النوبي، وابن دلقو المحس، تاركاً خلفه سيرةً من النضال والمواقف الوطنية والإنسانية، وذكرياتٍ ستظل حاضرة في وجدان أهله ورفاق دربه وكل الذين عرفوه عن قرب.

برحيله، تفقد النوبة واحداً من أبنائها الذين حملوا همومها، ودافعوا عن أرضها وتاريخها وتراثها وحضارتها وحق أهلها في البقاء على أرض الآباء والأجداد، كما يفقد السودان رجلاً جمع بين الالتزام بقضايا مجتمعه والانتماء إلى القضايا الوطنية الكبرى.

لم يكن الأستاذ إدريس عكاشة مجرد محامٍ أو ناشط سياسي، بل كان صاحب قضية وموقف، ورجلاً آمن بأن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وأن الانتماء الحقيقي للأرض والتاريخ يتجسد في المواقف والعمل والتضحيات.

من دلقو المحس، أرض التاريخ والحضارة النوبية العريقة، انطلق إدريس عكاشة حاملاً انتماءه إلى أهله وقضاياهم، مدركاً أن النوبة ليست مجرد جغرافيا، بل حضارة ضاربة في أعماق التاريخ، وهوية متجذرة، وذاكرة شعب لا يمكن اقتلاعها أو طمسها.

لقد ظل الدفاع عن الأرض والحقوق التاريخية والثقافية لأهل النوبة حاضراً في مواقفه، مؤمناً بأن حماية الأرض تعني حماية الهوية، وأن صون التراث والحضارة مسؤولية الأجيال المتعاقبة، وأن بقاء الإنسان النوبي على أرضه حق أصيل لا ينبغي التفريط فيه.

ومن هذا المنطلق، كان حضوره في القضايا النوبية تعبيراً عن قناعة راسخة بأن الحقوق لا تُصان بالصمت، وأن القضايا العادلة تحتاج إلى رجال يمتلكون الشجاعة والثبات والاستعداد للدفاع عنها.

كان الراحل عضواً في اللجنة العليا لمناهضة سدي دال وكجبار، وشارك في النضال الرافض للمشروعات التي رأى معارضوها أنها تهدد الأرض النوبية ووجود أهلها وحقوقهم التاريخية والحضارية.

وقد ارتبطت هذه القضية بمخاوف عميقة لدى قطاعات من أبناء النوبة بشأن تهجير السكان، وإغراق الأراضي والقرى التاريخية، وفقدان الموروث الثقافي والحضاري، وما يمكن أن يترتب على ذلك من آثار اجتماعية وإنسانية لا تعوضها المكاسب المادية.

وفي هذا السياق، كان إدريس عكاشة من أصحاب المواقف الواضحة تجاه القضايا النوبية، مؤمناً بأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تقوم على حساب الإنسان وأرضه وهويته، وأن أي مشروع تنموي ينبغي أن يحترم حقوق المجتمعات المحلية وإرادتها ومصالحها.

لقد كانت مناهضة سدي دال وكجبار بالنسبة إلى أبناء النوبة قضية تتجاوز حدود الاعتراض على مشروعات بعينها، لتلامس أسئلة الأرض والحقوق والمشاركة في اتخاذ القرار، ومستقبل الإنسان النوبي في وطنه.

لم تقتصر مواقف ا. إدريس عكاشة على قضية السدود، بل امتدت إلى قضايا التعدين العشوائي وما يرتبط به من مخاطر بيئية وصحية واجتماعية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بتدهور الأراضي والموارد الطبيعية وحقوق السكان المحليين.

كما ظل رافضاً لتهميش المنطقة النوبية وحرمان أهلها من حقوقهم في التنمية والخدمات والمشاركة العادلة في إدارة موارد مناطقهم.

لقد كان يدرك أن الدفاع عن النوبة لا يتجزأ؛ فالأرض التي تُحمى من التهجير يجب أن تُحمى أيضاً من التدهور البيئي، والتراث الذي ندافع عن بقائه لا يمكن فصله عن حق أهله في الحياة الكريمة، والتنمية التي ننشدها ينبغي أن تكون تنمية عادلة تحفظ للإنسان حقه في أرضه وموارده ومستقبله.

وهكذا اتسعت دائرة اهتمامه لتشمل مختلف القضايا النوبية، وظل حاضراً بمواقفه وقناعاته في الدفاع عن حقوق المنطقة وأهلها.

إلى جانب نضاله النوبي، كان الأستاذ إدريس عكاشة عضواً قيادياً في حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان، وله مواقف وطنية ومبدئية في مختلف قضايا الوطن.

ولم يكن انتماؤه إلى قضايا النوبة متعارضاً مع انتمائه إلى السودان، بل كان يرى أن الدفاع عن حقوق المجتمعات السودانية ومكوناتها الثقافية والتاريخية جزء من النضال من أجل وطن يقوم على العدالة والمساواة واحترام التنوع.

لقد جسدت تجربته، كما عرفه رفاقه، التداخل بين الانتماء المحلي والالتزام الوطني؛ فالإنسان يستطيع أن يكون وفياً لأرضه وأهله، وفي الوقت نفسه ملتزماً بقضايا شعبه ووطنه.

وفي بلدٍ عانى طويلاً من الحروب والانقسامات والتهميش، تظل المواقف الوطنية المبدئية والتمسك بالحقوق والحريات من القضايا التي تستحق التوثيق والنقاش، بعيداً عن التعصب والإقصاء.

ا. إدريس عكاشة لم يكن مجرد مواقف سياسية ونضالية؛ فقد عُرف، بين محبيه ورفاقه، بأخلاقه الرفيعة ونزاهته وطيبته وتواضعه، وبحسن تعامله مع الآخرين واحترامه للناس.

وهذه الصفات هي التي تمنح سيرة الإنسان بُعدها الإنساني العميق، وتجعل ذكراه باقية في القلوب بعد غيابه عن الدنيا.

فكم من إنسان يمر في الحياة ويترك وراءه اسماً، وكم من إنسان يترك أثراً طيباً في نفوس الآخرين، ويظل حاضراً في ذاكرتهم بما قدمه من مواقف صادقة، وما أظهره من تواضع ونبل في التعامل.

لقد اجتمعت في شخصية الراحل، كما يصفه عارفوه، صلابة الموقف ولين المعاملة، والالتزام بالقضايا العامة والتواضع في الحياة اليومية، وهي خصال تجعل الحديث عن رحيله حديثاً عن الإنسان قبل أن يكون حديثاً عن السياسي والمناضل.

إن رحيل الأستاذ إدريس عكاشة يضع أمامنا مسؤولية مهمة، هي مسؤولية توثيق سير المناضلين النوبيين والوطنيين الذين أسهموا في الدفاع عن الأرض والحقوق والهوية، وسجلوا مواقفهم في مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة والسودان.

فالتاريخ لا تصنعه الأحداث الكبرى وحدها، وإنما تصنعه أيضاً مواقف الرجال والنساء الذين وقفوا دفاعاً عن قضايا مجتمعاتهم، وتحملوا أعباء العمل العام، وأسهموا في تشكيل الوعي الجمعي لأجيالهم.

ومن حق الأجيال الجديدة في دلقو والمحس وسائر المناطق النوبية والسودان أن تعرف تاريخ هؤلاء الرجال، وأن تتعرف إلى تجاربهم ومواقفهم، وأن تستفيد من دروسها في مواصلة العمل السلمي من أجل الحقوق والتنمية والعدالة وصون الهوية.

كما أن من واجب رفاق الراحل ومحبيه جمع الوثائق والشهادات التي توثق مسيرته، وتسجيل مواقفه في قضايا السدود والتعدين العشوائي والتهميش، ودوره في العمل السياسي والوطني، حتى تكون سيرته جزءاً محفوظاً من الذاكرة النوبية والسودانية.

لقد رحل إدريس عكاشة، لكن القضايا التي آمن بها لا تنتهي برحيله، والحقوق التي دافع عنها تظل مسؤولية الأحياء، والذاكرة التي حملها تستحق أن تنتقل إلى الأجيال القادمة.

وداعاً أبا النضال والمواقف

رحل الأستاذ إدريس عكاشة محمد علي، ابن دلقو المحس، والمحامي والمناضل النوبي والقيادي بحزب البعث العربي الاشتراكي في السودان.

رحل بجسده، لكنه ترك وراءه سيرة تستحق الوفاء، ومواقف تستحق التوثيق، وذكريات طيبة في نفوس أهله ورفاقه ومحبيه.

سلامٌ على روحه، وسلامٌ على كل الذين عاشوا من أجل قضايا الناس، ودافعوا عن أرضهم وحقوقهم، وتمسكوا بمبادئهم في أوقات الشدة.

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أسرته وأهله في دلقو والمحس ورفاقه ومحبيه الصبر وحسن العزاء.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

ويبقى الوفاء للراحلين أن نحفظ سيرتهم، ونصون ذاكرتهم، ونواصل العمل من أجل الإنسان والأرض والكرامة والعدالة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.