وقف الحرب واستعادة الدولة من قوى الحرب وتفكيك مصالحها، معركة مصير وطني وثوري

صحيفة الهدف

بقلم: انس حامد

بعد قرابة الاربعة اعوام على الحرب، ونحن نتنسم نفحات أكتوبر ٢١ المجيدة، تختلط المشاهد وتداخل الاحداث، ولكن يبقى الإنسان يمثل المحور والثابت الوحيد في معادلة تغيير الازمنة والتواربخ، وتبقى المواقف وحدها من تفصح عن حقيقة الاهداف وصدق والنوايا.

مرت اربعة اعوام على حرب الخامس عشر من ابريل، تغيرت فيها الاحداث وتبدلت الافكار، ولكن تبقى المبادئ ومن يحملونها شاخصة في ظل تقاطع الرؤى، وغياب الحوار البناء، الذي يتصارع فيه الجميع، في مناخ يسوده الاحترام المتبادل والقبول بالاخر المختلف.

ولكن في أجوا الحرب، لا يسمع الا اصوات المدافع والبنادق، فتسود خطابات التحشيد والاصطفاف لمعسكرات الحرب، وفي ظل هذه الاجواء، يتراجع الخطاب الهادف والبناء، الذي يقود المجتمع إلى الأمام نحو المستقبل الافضل.

مع بداية إطلاق الرصاصة الاولى، تم استهداف المجتمع بأثره من اجل افراغ الساحة، لحملة السلاح، ومحاولة الجام اي اصوات تنادي بوقف الحرب، ليس من اجل التجيش والتحشيد والاصطفاف تجاه معسكر الحرب فقط، ولكن وبصورة مركزة وممنهجة كان المخطط ابعد من ذلك، بدأ يتكشف الان، من خلال محاولة تعطيل كل نواحي الحياة الاجتماعية بتفاعلاتها المختلفة، حتى تتمكن قوى الحرب من تجريد المجتمع وقواه الحية من ادواتها التي تمارسها في عملية البناء المستقبلي.

وعندما نجحت قوى الحرب في اهدافها المعلنة منذ البداية،  بإعادة السيطرة على مفاصل الدولة وتدمير المؤسسات المدنية والاهلية، والبنى التحتية، وكل المرافق الحكومية وادوات الانتاج،  من مشاريع زراعية ومصانع تقوم بتصنيع منتجات مختلفة، يشارك في عملية تشغيل هذه المصانع والمشاريع، عدد مقدر من السودانين والسودانيات، وتساهم في رفع معدلات الإنتاج ضمن الناتج القومي للبلاد، والأهم من ذلك تحافظ القوى المنتجة، على التوازن الطبقي والاجتماعي، حيث حاولت مجموعة إنقلاب يونيو 1989م، تجريف هذه الطبقات الاجتماعية، وعبر انتهاج سياسات كثيرة، كان القصد منها ضرب الطبقات الاجتماعية وتكويناتها المختلفة، باعتبار انها تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي.

ومن خلال سن قوانين التمكين المتستر بشعارات الاسلمة، حاولت جماعة الحركة المتأسلمة، تمكين عناصرها من كل المؤسسات والقطاعات المختلفة في الدولة، وطرد كل الوطنين من كل القطاعات في الدولة، واحلال المجموعات الموالية لتنظيمهم محل القوى الوطنية.

ولكن بالرغم من هذا التجريف الممنهج للمجتمع بتكويناته وقطاعاته المنتجة من قبل مجموعة إنقلاب يونيو 1989م المتأسلمة، ظلت القوى الحية تقاوم تلك السياسات ابان فترة العهد البائد.

وبعد انتفاضة ديسمبر الجسورة 2018م، بدات الأوضاع تمضي باتجاه استعادة مؤسسات الدولة وقطاعات المجتمع بمختلف تكويناتها لصالح مشروع إعادة بناء الدولة، التي تم تخريبها في فترة العهد البائد، وبالرغم من بط الحركة وتعثر الخطوات في هذا الاتجاه، لكن أصبح هنالك خط شروع واضح نحو الاهداف المنشودة في المستقبل.

وعندما حدثت مؤامرة انقلاب ردة 25 أكتوبر 2021م، ليعطل عملية استعادة مؤسسات الدولة لصالح الشعب، ثم جاءت حرب الخامس عشر من ابريل، وهى تستهدف القضاء على الدولة باثرها بكل تكويناتها الاجتماعية ومؤسساتها المختلفة.

مع استمرار وتطاول أمد الحرب، تم ضرب كل الطبقات الاجتماعية، التي ظلت تحافظ على التوازن في المجتمع، وبالتالي تم استهداف الطبقة الوسطي ممثلة في(الموظفين، المهنين، أصحاب المشاريع الصغيرة وصغار المنتجين، الأطباء، المهندسين، صغار التجار،…..الخ)، واحلال طبقة نفعية تشكلت خلال الحرب، استاثرت بموارد الدولة، وتعمقت علاقاتها من خلال ارتباط مصالحها المشتركة.

ان هذا التغيير الاجتماعي الذي افرزته الحرب، يمثل تهديد حقيقي يواجه قوى وقف الحرب، واعادة بناء الدولة، واستعادة الحياة الاجتماعية والمدنية ومؤسسات الدولة بمختلف قطاعاتها، للمحافظة على توازن الحياة الاجتماعية في المستقبل، وأن الطريق الى ذلك، لن يتم الا من خلال تفكيك تمكين المصالح القوى التي انتجتها الحرب، وهى معركة لا تقل ضراوة عن معركة وقف الحرب كمطلب شعبي ووطني وأخلاقي لا يقبل التاجيل والتسويف بعد كل هذا الدمار الذي أحدثه حرب الخامس عشر من ابريل.

ونحن الان نتسشرف ذكرى انتفاضة 21 اكتوبر، لابد وان نستلهم من تلك الذكرى مايعيد للاذهان حتمية تحقيق نموذج الدولة المدنية الديمقراطية، والإجابة على سؤال، ثم ماذا بعد خروج الاستعمار في العام 1956م، وهو السؤال الذي حاولت انتفاضة أكتوبر الإجابة على جزء منه، ثم جاءت مارس ابريل 1985م للتأكيد على ضرورة استكمال مهام مابعد الاستقلال، ولكن قطع إنقلاب يونيو المشؤوم 1989م الطريق امام استكمال مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة القائمة على الديمقراطية كبرنامج ونهج غير قابل للتاجيل.

ان الوعي الذي رافق انتفاضة ديسمبر 2018م، كان استحضار لمطلوبات ومهام مابعد الاستقلال بايمان أوسع قاعدة شعبية ثورية بضرورة بناء الدولة المدنيةالديمقراطية، وتحقيق العدالة الاجتماعية كمقدمة لعملية البناء الوطني الشامل.

ان من اشعلوا الحرب حاولوا تعطيل وفرملة حركة التطور الوطني الذي يمضي في مساره الصحيح، من خلال تغيب قوى الثورة والتغيير من حركة الفعل المقاوم، واحلال قوى بديلة ونفعية محل قوى الثورة والتغيير.

ولكن تجارب الثورات على امتداد التاريخ الانساني، ظلت شاهدة على انتصار قوى الثورة في معاركها ضد قوى الردة والفناء، وأن عملية استعادة الدولة والمجتمع من قوى الردة اخذت أبعاد اكثر عمقا، وترسخت في القلوب والاذهان، باعتبار انها تمثل الطريق الوحيد للنهوض الوطني والقومي في المستقبل.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.