في إدارة الموارد وإدارة التنوع.. مأساة الاستقلال

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

منذ الاستقلال، ظل السودان يواجه صعوبة الانتقال من امتلاك الموارد إلى حسن إدارتها، ومن الاعتراف بتعدد مجتمعه إلى بناء دولة تتسع لجميع مواطنيه. ولم تكن المشكلة في غياب الإمكانات وحده، بل في غياب مشروع تنموي متوازن، واضطراب العلاقة بين السلطة والمجتمع، وضعف المؤسسات القادرة على تحويل الموارد الطبيعية والبشرية إلى فرص للعيش الكريم.

إن الاستقلال السياسي يظل منقوص الأثر ما لم تسنده قدرة اقتصادية وإنتاجية، ومؤسسات عامة فاعلة، وعدالة في توزيع الفرص والأعباء. فالسيادة لا تُقاس بالعلم المرفوع وحده، وإنما أيضاً بقدرة المجتمع على إنتاج احتياجاته الأساسية، وحماية موارده، وتوسيع فرص العمل والتعليم والصحة، وتقليل ارتهانه للأزمات والاختلالات.

ولم يكن التنوع السوداني هو المشكلة في ذاته؛ إنما تكمن المشكلة في عجز الدولة عن تحويله إلى أساس للمواطنة المتساوية، والتمثيل العادل، والتنمية المتوازنة. فالتنوع يصبح ثروة حين تحميه الحقوق والمؤسسات، ويتحول إلى ساحة نزاع حين يُدار بالإقصاء والتمييز وتفاوت الفرص.

لقد أظهرت التجربة أن وحدة الوطن لا تُصان بإنكار اختلاف مكوناته، ولا بفرض هوية واحدة على الجميع، وإنما ببناء رابطة مواطنة يتساوى في ظلها الناس في الحقوق والواجبات، وتُحترم فيها الثقافات واللغات والتجارب المحلية، ويكون الانتماء إلى الوطن أساساً للشراكة في حاضره ومستقبله.

أما الحرب الراهنة، فليست أزمة عابرة يمكن أن تنتهي آثارها بمجرد توقف القتال؛ إنها كارثة إنسانية ووطنية تكشف اختلالات عميقة في بناء الدولة، وإدارة الموارد، والعلاقة بين السلطة والمجتمع، واحتكار استخدام القوة. وقد تنتهي الحرب عسكرياً، لكن آثارها ستظل ماثلة ما لم تُعالج أسبابها السياسية والمؤسسية والاجتماعية.

فالتعافي لا يعني إعادة ما تهدّم فحسب، بل يعني مراجعة السياسات التي راكمت التهميش، وأضعفت المؤسسات، وسمحت بتحويل الاختلافات الاجتماعية والثقافية إلى أدوات للصراع. والسؤال الذي تطرحه أكتوبر علينا اليوم ليس كيف نعود إلى ما قبل الحرب، بل كيف نمنع العودة إلى الشروط التي جعلت الحرب ممكنة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.