محمد الأمين أبو زيد
لم يعد مفهوم المثقف في الفكر الحديث يحيل إلى الشخص الذي يمتلك المعرفة أو يمارس نشاطًا فكريًا فحسب، بل أصبح مرتبطًا بموقعه داخل المجتمع، وبعلاقته بالسلطة، وبقدرته على تحويل المعرفة إلى موقف وممارسة. وفي هذا السياق، قدّم أنطونيو غرامشي وجان بول سارتر وإدوارد سعيد تصورات متمايزة لدور المثقف، انطلاقًا من سؤال مشترك يتمثل في: ما الذي ينبغي أن يفعله المثقف تجاه واقعه التاريخي والاجتماعي؟
يرتبط مفهوم المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي بنظريته في الهيمنة والصراع الاجتماعي. فالمثقف ليس كيانًا منفصلًا عن البنية الاجتماعية، وإنما يؤدي وظيفة داخل جماعة أو طبقة اجتماعية محددة. ويكتسب وصف «العضوي» دلالته من ارتباطه بالحياة الاجتماعية والتنظيمية لجماعته، ومشاركته في صياغة وعيها وتحديد مصالحها ورؤيتها للعالم. لذلك، لا يقتصر دوره على إنتاج الأفكار، بل يسهم في بناء منظومة ثقافية وفكرية قادرة على منافسة الهيمنة القائمة. ومن هنا، يصبح المثقف العضوي جزءًا من الصراع على إنتاج الوعي والقيادة الثقافية والأخلاقية للمجتمع، وليس مجرد مراقب للواقع من خارجه.
أما المثقف الملتزم عند جان بول سارتر، فيتأسس على مفهومي المسؤولية والاختيار. فالمثقف، بحكم امتلاكه القدرة على التعبير والتأثير، لا يستطيع أن يتذرع بالحياد إزاء القضايا الكبرى التي يعيشها مجتمعه. فالامتناع عن اتخاذ موقف في مواجهة الظلم والاستعمار والقمع قد يتحول عمليًا إلى قبول بالوضع القائم. ومن ثم، يصبح الالتزام فعلًا أخلاقيًا وسياسيًا يضع المثقف أمام مسؤولية استخدام الكلمة والمعرفة في الدفاع عن الحرية والعدالة ومقاومة الظلم. ولا يعني ذلك أن المثقف يتحول بالضرورة إلى تابع لتنظيم سياسي، وإنما يعني أن المعرفة تفرض عليه مسؤولية تجاه التاريخ والإنسان.
ويقدم إدوارد سعيد مفهوم المثقف العام في إطار يرتبط بصورة أوثق بالنقد الثقافي والسياسي وعلاقات القوة. فالمثقف عند سعيد ينبغي أن يكون حاضرًا في المجال العام، لا بوصفه خبيرًا متخصصًا فحسب، وإنما بوصفه صوتًا نقديًا قادرًا على مساءلة السلطة والخطابات المهيمنة، وكشف علاقات القوة التي تنتجها. ولذلك، يؤكد سعيد أهمية استقلال المثقف عن المؤسسات والأيديولوجيات التي قد تحد من قدرته على النقد. فالمثقف الحقيقي، في تصوره، هو الذي يحتفظ بمسافة نقدية تسمح له بأن يقول ما يراه حقًا، حتى عندما يتعارض ذلك مع السلطة أو الجمهور أو الجماعة التي ينتمي إليها. ومن هنا، يرتبط المثقف عند سعيد بمهمة تفكيك الخطابات المهيمنة والدفاع عن المهمشين والمستبعدين من إنتاج المعرفة والتمثيل.
وعلى الرغم من اختلاف هذه التصورات، فإن بينها وحدة عميقة؛ فغرامشي يركز على وظيفة المثقف في الصراع على الهيمنة وبناء الوعي الاجتماعي، وسارتر على مسؤوليته الأخلاقية والسياسية وضرورة الالتزام بقضايا عصره، بينما يركز سعيد على استقلاله النقدي ودوره في المجال العام ومقاومة السلطة والخطابات المهيمنة. وبذلك، ينتقل مفهوم المثقف من مجرد حامل للمعرفة إلى فاعل تاريخي، تتحدد قيمته بقدرته على تحويل المعرفة إلى وعي نقدي وموقف ومسؤولية اجتماعية.

Leave a Reply