فيروز.. شجرةُ أرزٍ تجاوزت الزمان والمكان

صحيفة الهدف

د. توتا صلاح المبارك

من لبنان، حيث شجرة الأرز علامةُ الأرض والخلود، خرج صوتٌ لم يبقَ محليًا منغلقًا على حدوده، بل تسلّل كما يعبر الضوء نافذةً مفتوحة، ودخل البيوت العربية بلا تأشيرة، واستقر في ذاكرة أجيال لم تتشابه أوطانها ولا حكاياتها، لكنها عرفت صوت فيروز في صباحاتها وأعيادها وحنينها.
لبنان الذي أنهكته الانقسامات أهدى العرب صوتًا استطاع أن يصوغ، من المحيط إلى الخليج، وحدةً وجدانية لا تحتاج إلى حدود أو خرائط.
كانت فيروز ذاكرةً حية تتنفس: «زهرة المدائن» شهيقًا، وموشحات الأندلس زفيرًا.
حين غنّت للقدس، لم تكن تغني مدينةً بعيدة فحسب، بل كانت تستعيد مكانًا يسكن الوجدان العربي.
جاء صوتها « لغةٌ من حوار السماء مع القدس،فضيَّة النبر،»
فلا ندري أين تنتهي الأغنية وأين يبدأ الدعاء:
لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي
لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن.
ثم تمضي فيروز أبعد من المكان، إلى زمنٍ عربيّ آخر: الأندلس. وحين تغنّي «جادك الغيث» لابن الخطيب، يبدو صوتها كأنه يسترد من الذاكرة زمنًا غائبًا:
جادَكَ الغيثُ إذا الغيثُ هَمى
يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ.
وفي «يا ليل الصب متى غده» للحصري القيرواني، تبدو كأنها تبحر بنا في زمن عشقناه ثم توارى:
يا ليلَ الصبِّ متى غدُهُ
أقيامُ الساعةِ موعدُهُ.
ثم يتسع صوتها ليحتضن مكانًا مقدسًا آخر، في «غنّيت مكة» لسعيد عقل:
غنّيتُ مكةَ أهلَها الصيدَ، والعيدُ يملأ أضلعي عيدًا.
وفي قصيدة ابن جبير في مدح النبي ﷺ، يتسع هذا العبور إلى فضاء روحي آخر:
أقولُ وآنستُ بالليلِ نارًا
لعلَّ سراجَ الهدى قد أنارا.
هنا يغدو الغناء جسرًا تتجاور فوقه الأمكنة والأزمنة والثقافات ، ولعل في ذلك سرًا من أسرار فرادتها. فهي لا تغني من موقع الانتماء الضيق، بل من مساحة إنسانية أرحب، يصبح فيها صوتها جسرًا بين المختلفين، وتغدو الأغنية لغةً تستطيع الأرواح جميعًا أن تسكنها.

لكن فيروز لم تكن فقط صوت الفصحى والقدس والأندلس ،كانت أيضًا الأيقونة الأبرز للأغنية اللبنانية المحكية. ومع الأخوين رحباني ثم زياد الرحباني، استطاعت أن ترفع اللهجة اليومية من عفويتها البسيطة إلى مقام الشعر. في «سألوني الناس» و في اغنية «حبيتك بالصيف» تحولت تفاصيل الانتظار والمطر والرصيف والغياب إلى ذاكرة غنائية لا تشيخ.
وهكذا لم تكن فيروز تغني الماضي بقدر ما كانت تمنحه حياةً جديدة.

حملت لبنان إلى العرب، وحملت العرب إلى ذاكرتهم،
وظل صوتها يعبر الزمن والأمكنة، حاملاً شيئًا من أحزاننا القديمة وبعضًا من أحلامنا المرتجاة.
ولذلك، كلما ابتعدت بنا الطرق، بقيت فيروز هناك، مثل شجرة أرز عميقة الجذور، رفيفة الظلال.
فلتبقَ بيننا شجرة الأرز.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.