د. منال مختار
ماهو معيار قرار المسامحة إذا تعرض الإنسان إلى الظلم والمعاملة السيئة؟ وهل تحقق المسامحة العدالة؟
دفع الظلم والأذى فعل شرعت له كتب الله تعالى التي أنزلها على عباده بواسطة الرسل والأنبياء، وأقر الله جل وعلا القصاص وجعله سبباً من أسباب الحياة، كما أقر بأن يكون جزاء السيئة سيئة مثلها. وكذلك أقر الله تعالى في نفس السياق العفو والدفع بالتي هي أحسن وكظم الغيظ مقابلة للأذى والسيئة.
والسؤال: ماهي البنية الوظيفية للدفع بالتي هي أحسن، وكظم الغيظ حتى لا تتعارض مع البنية الوظيفية للقصاص وجزاء السيئة بسيئة مثلها؟ ولكي يتضح المفهوم لابد من توضيح المعنى المفاهيمي للدفع والغيظ والكظم.
أولا: الدفع يقول الله في محكم التنزيل: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم). والتساوي بين الحسنة والسيئة هنا غير وارد لوجود الحرف (لا) الذي فصل بين الحسنة والسيئة وجعل كل منها فعلاً قائماً بذاته، وكذلك قوله: (ادفع بالتي هي أحسن) يمنع التساوي، لأن أمر الدفع جاء بالتي هي أحسن من الحسنات والتي هي أحسن من السيئات، وهو ما يؤكد الفصل بين الحسنة والسيئة وينفي التساوي بينهما.
والقصد المفاهيمي هو: إذا دفعك أحدهم بالحسنة فادفَعْ له بالتي هي أحسن من الحسنات، وإن دفعك أحدهم بالسيئة فادفَعْه بالتي هي أحسن من السيئات، وستكون النتيجة الحتمية لذلك هي العلاقة الحميمة. وهذا ما يعرف بالعلاقة الوظيفية للدفع؛ فدفع السيئة بالتي هي أحسن يتحقق بردع الظالم والمعتدي، ودفع الحسنة بالتي هي أحسن يكون جزاء للمحسن على إحسانه.
والعفو قد ورد في السيئة بجانب الدفع بالتي هي أحسن في قوله تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله). وهنا يكون الخيار بين الدفع والعفو مشروعاً، ولكنه أيضاً مرتبط بالإصلاح. والدفع والعفو هما فعل يدل على سلوك أخلاقي، ففي وقوع السيئة لك حق الدفع بالتي هي أحسن أو حق العفو المربوط بالإصلاح كرد فعل للإساءة.
وقول الله تعالى (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) وقوله (ادفع بالتي هي أحسن) يتضمن التنوع والتفاوت في توصيف الحسنة والسيئة بوجوب القرينة (أحسن)… والمعنى: إذا أحسن إليك إنسان فادفَعْ إليه بالتي هي أحسن في الإحسان فتتحقق العلاقة الحميمة بفعل الدفع الأحسن، وإذا أساء إليك إنسان فادفَعْ بالتي هي أحسن في السيئات فتتحقق بها العلاقة الحميمة، وهو ما يؤكد عدم التساوي بين الحسنة والسيئة. وكذلك قول الله في محكم تنزيله: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة)، فجاء حرف الواو بين أصحاب النار وأصحاب الجنة ليفيد عدم التساوي، ووقوع (لا) في (لا تستوي الحسنة ولا السيئة) تفيد الفصل في الدرجات؛ فالحسنات أنواع تتفاوت في درجاتها وكذلك السيئات أنواع تتفاوت في درجاتها. وهذا هو المنطلق في عملية الدفع، فعملية الدفع بالتي هي أحسن تتوقف على نوع الحسنة أو السيئة وعلى تفاوت الدرجات فيهما. فمثلاً، إذا كان هنالك شخص لئيم وخبيث وكان اللؤم والخبث جزءاً من طبعه ولا يرى فيهما سوء خلق ولا يتردد في مسلكها مع الناس وبينهم، فهل من العدالة أن ندفع هذا الفعل المسيء بالحسنه والإحسان والعفو؟ إنه أمر لا يستقيم، لأن ما صدر عنه من لؤم وخباثة يبقى لها تأثير في النفوس، لذلك يجب أن ندفع هذا الفعل المسيء بما هو أحسن من أنواع الإساءة وحسب درجتها. وكذلك الأمر في الحسنة، بأن ندفع بالأحسن في الحسنات حسب نوع الحسنة التي دُفع بها علينا حسب الدرجة، وبهذا تتحقق العدالة.
وبهذا فإن (التي هي أحسن) لا تعني السكوت ولا التنازل ولا المسامحة، بل تعني استغلال المساحة الرحبة بين المؤثر ونوع الاستجابة. فإذا كان المؤثر حسناً تكون الاستجابة بالتي هي أحسن من نوع الحسنات فيتحقق بذلك استغلال المساحة الرحبة، وإذا كان المؤثر سيئاً تكون الاستجابة بالتي هي أحسن من نوع السيئات ويتحقق بذلك استغلال المساحة الرحبة. وبذلك يكون جزاء الحسنة بالأحسن في الحسنات مثلها، وجزاء السيئة بالأحسن في السيئات، وبذلك تتحقق العدالة حسب وقوع الأثر على نفس الإنسان وتحقيقاً لقول الرسول الكريم: (لا ضرر ولا ضرار).
وهنالك خيار آخر للدفع وهو: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله). وجاء العفو هنا مربوطاً بالإصلاح.. فما هو الإصلاح المقصود والمطلوب؟؟ وهل يشمل الحسنة والسيئة؟؟ أعتقد والله أعلم أنه يكون في الحسنة بالعفو عن مشقة الجهد المبذول في تقديم الحسنة، ويكون الإصلاح ببذل الجهد في ترسيخ مبدأ الإحسان بين الناس. أما العفو في السيئة فيكون بإصلاح القائم بالفعل السيء، وهو ما تجسده مؤسسات الإصلاح؛ مثلاً، إذا سرق أحد وهو دون سن الرشد يتم إدخاله لمؤسسات الإصلاح لأجل تقويم سلوكياته وتمكينه من أدوات تنقطع بها أسباب السرقة، مثل تمكينه من حرفة تكون مصدر دخل له تكفي حاجته ولا يعود للسرقة مرة أخرى. وهذا هو الإصلاح الذي بموجبه يتم العفو عنه… والعفو دون إصلاح ربما يكون مفسداً، فربما العفو دون إصلاح يجعل صاحب الفعل المسيء يتمادى في ظلمه وإساءته وتجاوزه لخصوصية وحقوق الآخرين. وهنا إشارة لاختلاف المقام الذي يتم من خلاله ترسيخ مفهوم الاختيار حسب طبيعة ونوع السلوك والموقف، فالشدة والغلظة قد تكون هي التي أحسن في مقابلة الاعتداء السافر.
ثانياً: الكتمان يعتقد الكثير من الناس أن كَاظِم الغيظ هو الغضبان الذي يكتم غيظه، وأنا كذلك كنتُ أعتقد نفس الاعتقاد، ولكن شاءت مشيئة الله أن أطلع على مقال تناول بالشرح الآية الكريمة: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، وتناول صاحب المقال الخاصية البنيوية للآية الكريمة قائلاً: (إذا كان الإنسان قد امتنع عن الرد على من أساء إليه وكتم غضبه ولم يفعل شيئاً فما الوظيفة الجديدة لقوله بعد ذلك (والعافين عن الناس)؟). واستطرد موضحاً أن العفو لا تكون له قيمة مستقلة إلا إذا بقي للإنسان بعد الكظم حق وقدرة على المؤاخذة، أما إذا كان الكظم يعني أصلاً ترك الرد على المسيء، فإن العفو يصبح قريباً جداً من إعادة المعنى نفسه بصيغة أخرى. وأقر كاتب المقال أن الأمر يتطلب دراسة كلمتي الغيظ والكظم داخل الاستعمال القرآني. فما هو الغيظ وما هو الكظم؟؟
واستطرد كاتب المقال شارحاً بأن الغيظ ليس مجرد انفعال يورث الغضب، إنما هو حالة ضغط واحتقان تنشأ من مواجهة الإرادة التي تعطل النفاذ، فتحمل صاحبها على طلب إزالة السبب (سبب القهر). وهذا يعني أن الغيظ يرتبط بحالة القهر، وقد يصاحب الغيظ غضب. وهذا الشرح يوضح أن الغيظ ينتج عن القهر فيولد حالة الغضب، إما على الفعل الواقع وإما على العجز عن دفع الفعل، ويكون تأثير كلا الاحتمالين سيئاً على النفس، وهو أمر يستوجب دفع القهر.
وأما الكظم، فقد وردت كلمة الكظم في أكثر من موضع في القرآن الكريم: (ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)، وقوله: (ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). والسائد في الفهم أن الكظم هو (إخفاء الشعور)، ولكن إذا تمعنا في الآية (ظل وجهه مسوداً وهو كظيم)، هل يكون تفسير مسوداً أنه أثر ظاهر أم مخفي؟ وهل هو انعكاس لحالة أم إخفاء لها؟ وكذلك الحال في القول (ابيضت)، فوجود السواد في الوجه والبياض في العين هو إظهار ينفي الخفاء. والسؤال: هل يتساوى الكظم في المعنى مع الإظهار؟ فمثلاً، إذا تعرض الإنسان لمؤثر وضعه تحت حالة ضغط، فما هو رد الفعل المتوقع من هذا الإنسان؟ هل هو الإفلات والانفلات أم الإمساك؟ فإذا كان الإفلات والانفلات فهذا يعني أن هذا الشخص ليس له القدرة على إحكام انفعاله، والعكس صحيح، فالذي يستطيع الإمساك يكون له القدرة على الإحكام. لذلك قال الله تعالى: (والكاظمين الغيظ) ولم يقل: الكاظمين الغضب، لأن الغيظ هو حالة الضغط والاحتقان التي تورث الغضب.
والانفعال هو حالة وسمة طبيعية في تركيبة الإنسان، فلا يوجد إنسان بلا انفعال، ولكن الفرق يحدث بإمكانية التحكم في الانفعال؛ فهنالك إنسان يمتلك قدرة الإمساك، وآخر يتسم بالإفلات والانفلات. وهنا أيضاً تلعب المساحة الرحبة بين المؤثر ونوع الاستجابة دوراً فعالاً في كظم الغيظ، فالذي يستغلها الاستغلال الأمثل هو الذي يتمتع بقدرة الإمساك، أما الذي يخفق في ذلك فهو الذي يفقد قدرة التحكم.
وكظم الغيظ لا يعني السكوت والتنازل، بل يعني القدرة على التحكم في نوع الدفع المناسب لإبطال قدرة الفعل المسيء ومنع استمراريته. ولأن التحكم هو القدرة على التعامل مع الموقف بما يتناسب والفعل، فلابد أن تكون وظيفة كظم الغيظ هي القدرة على رد الظلم بطريقة تجعل المعتدي عاجزاً عن الاعتداء مرة أخرى، وليس السكوت أو التنازل.. إذن كظم الغيظ هو آلية من آليات الدفع بالتي هي أحسن، (والله أعلم).
#ملف_الهدف_الثقافي #د_منال_مختار #العدالة_القرآنية #التفسير_الموضوعي #القرآن_الكريم

Leave a Reply