أيام في أرض الرافدين

صحيفة الهدف

د. نابغة محمد نجيب

حينما كان العراق يحتضن أبناء الأمة العربية، ويفتح جامعاته مجاناً لكل الأقطار بلا منّ ولا أذى. تلك الجامعات التي درّست وخرّجت أعداداً لا تُحصى في مختلف أنواع التخصصات. وكانت الجامعات العراقية بؤرة إشعاع للعلم والمعرفة، وبوتقة تلاقٍ للطلاب من الأقطار العربية المختلفة. الأمر الذي قرّب الوجدان العربي.

فبجانب الدارس العراقي كان يزامله السوداني واليمني والسوري والأردني والمصري والتونسي والجزائري والتشادي والموريتاني والصومالي وغيرهم. فكنا جميعاً نتشارك الهم، ونتشارك الأفكار والمواقف والضحكات.

كان عالم الجامعة يتجاوز بأفقه مجرد التحصيل الأكاديمي إلى ما هو أعمق. ولم يكن هذا الانصهار فقط أثناء دوام الجامعة، بل تعدّينا ذلك بزيارات منزلية ومشاركات اجتماعية. ثم كان اتحاد الطلبة السودانيين وسكرتارية الطلبة العرب هو التلاقح الاجتماعي والثقافي والفكري والرياضي.

عرفنا مفردات وتطابقات اللهجات بين الأقطار العربية. وعرفنا عمق التاريخ المشترك بيننا، وتعلّمنا أن المستقبل يجمعنا. الندوات الثقافية، والمنافسات الرياضية، والأعياد الوطنية، والتلاقي الاجتماعي يومياً كان يمتد حتى أواخر الليل.

كانت بغداد مدينة أسطورية بروح من عبق التاريخ وبمئات الحكايات. الشوارع، والمباني، والأزقة، وشارع المتنبي للكتب كل جمعة، وسوق الصفافير (الصفارين) المخفي الذي اكتشفته وأنا أتعمّد أن أتوه في شوارع هذه المدينة العظيمة. شارع السعدون، ودور السينما، والباب الشرقي. مدينة صدام، والبياع، وأبو غريب. الكاظمية والأعظمية. الكرادة والجادريّة. شارع فلسطين والمنصور. مئات المعالم بعبق من قلب التاريخ.

المدينة التي شكّلت وجداناً جمعياً لأبناء الأمة العربية ما زالت في قلوبنا، بحنين وبأمل لزيارتها.

الباجة، والقوزي، والتمن، والتشريب، والجلفراي، والقيمة. الكباب، والتكة، والمعلاق. هذه من روائع المطبخ العراقي، وما أكثر روائعه.

كانت الكتب في كل البيوت. كل أسبوع نشتري ونقرأ، ونضع سطراً إضافياً في عقولنا من روائع الأدب والثقافة. صحيفة بابل كنا لا نفارقها.

كان العراق وبغداد مدينة لكل أبناء الأمة العربية. لا تشعر فيها أبدأ بالغربة، بل بالألفة. وتحتضنك كأحد أبنائها الذين بحثت عنهم طوال السنين. مضيافة، كريمة، جميلة، ساحرة.

مهرجان المربد حيث يتلاقى الأدباء من شتى الأقطار. وكان يتم استضافتهم في ليالٍ في دار الاتحاد.

هذه البقعة من الوطن العربي كانت وستعود بإذن الله مركزاً للثقافة والعلوم والأدب. كانت تشكّل وعينا وتوسّع مداركنا بكل الحب والحنان. شكّلت فينا أروع الذكريات، وزوّدتنا بمعين يبقى معنا ونورّثه جيلاً بعد جيل.

#ملف_الهدف_الثقافي #العراق #بغداد #ذكريات_جامعية #ثقافة #أدب #تاريخ_عربي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.