عبدالله رزق أبوسيمازة
- بعد طول تردد واستحياء، جاءت اللحظة المواتية للاعتراف، بغير حرج يُذكر، بالذكاء الاصطناعي، بوجوده وسطنا، موشحاً بالألفة، كأحد أفراد الأسرة، أو فريق الكرة، مثلاً. لم يعد الإنكار مجدياً، أو التهرب من مواجهة الحقيقة، مرّة أو حلوة، مفيداً. غير أن تزايد الحديث الأخلاقي، الذي عمَرَ الآفاق، عن الموضوع في بداياته، أثار حوله، ما يشبه العار الأبدي، وجعل الاقتراب منه محفوفاً بالفضيحة والخزي، فهو خروج عن الملة، على أقل تقدير، وعما وجدنا جدودنا وآباءنا عليه.
- لم تعد ثمة فرصة للاعتصام بالاستعلاء الفطري، أو استعادته من الطبيعة. أكثر الأخلاقيين، الذين تسيدوا الموقف، من الحديث عن الضوابط السلوكية، التي يمكن اللجوء إليها، لضبط الكتابة في القالب الإبداعي التقليدي، والتي يمكن أن تحد من تأثيرات هذه الجائحة الرقمية، إذ لم يخرج الأمر، حتى ذلك الحين، من حيز الأخلاق والسلوك الذي تمليه. تحسست الكثير من الحقول الإبداعية والبحثية أسلحتها، وهي تستقبل المهددات المحتملة للاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي، والشكوك الرائجة.
- لم يكتفِ الذكاء الاصطناعي، من جانبه، هو الآخر، بأن يكون أمراً واقعاً لا مهرب منه، حسب، بل أصبح جزءاً من الأسرة. ويؤكد، من حين لآخر، عظيم جدواه، وقدراته على فعل الخيرات، ومساعدة الجميع في أداء واجباتهم. فبإمكانه معاونة الصغار على استذكار دروسهم، أو اختيار الألعاب، أو البرامج التلفزيونية المناسبة لفترة الظهيرة، كما يمكنه تقديم نصيحة قيمة لربة المنزل بشأن البهار الأمثل، الذي يتعين إضافته لشوربة العدس.
- قبل عامين، تقريباً، أعلنت كاتبة يابانية، أنها تلقت مساعدة من مصدر غير معروف لكتابة روايتها التي فازت بجائزة عالمية. كما كشفت أخرى، بولندية، حائزة على جائزة نوبل عن استعانتها بالذكاء الاصطناعي، وهو كشف تسبب في صدمة واسعة في الأوساط الأدبية.
- ما هو أكيد أن اقتفاء هذا الأثر الإبداعي، لن يتوقف عند حد أو في مجال إبداعي بعينه، وإن استنكف الكثيرون، ولا زالوا يفعلون، الإقرار باستدعائهم للذكاء الاصطناعي لمساعدتهم لأداء مهامهم، في شتى الأعمال. ويتراوح الأمر بين المساعدة المحدودة، وبين التوظيف الكامل للذكاء الاصطناعي، في إنجاز المهمة كلها، في ظل صعوبات حقيقية تعترض إمكانية الكشف عن حقيقة توظيف الذكاء الاصطناعي في منتج ما، ونسبة هذا الاستخدام ومداه. بين ما هو “بشري”، حسب أدب مساجلات المرحلة، وبين ما هو غير ذلك، غير بشري، نصف تقني، أو محض تقني. في حين أنه كان يتعين، بحكم الأمر الواقع، أن يكون الذكاء الاصطناعي قد غيّر شيئاً من حساسيتنا، ومن زاوية رؤيتنا للأمور، ومن ذائقتنا وقواعد تقييمنا، لما هو أحسن وما هو أفضل، وإعادة تشكيلنا واستعداداتنا، لحسن تلقي الجديد.
- لا يتعلق الأمر في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي، على حقل الإبداع، بمساءلة المبدع ومنتجه الإبداعي، نقدياً، وإنما بالمفاضلة ما بين استخدام وآخر، بدلالة ما أنتجه الذكاء الاصطناعي، وتقييمه.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالله_رزق #ذكاء_اصطناعي #أدب #ثقافة #تكنولوجيا

Leave a Reply