د. منال مختار
من بين نور القمر وضؤ الشمس تطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، مولد الرسول الكريم والنبي الصادق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن آمنة الشريفة.
رسول خلت من قبله الرسل، أرسل من عند الله تعالى رحمة للعالمين ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، وخاتم لأنبياء الله ﴿وما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾.
رسول جاءت بشارته على لسان رسول هو كلمة الله التي ألقاها على مريم البتول العذراء الطاهرة عيسى بن مريم ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ على خلق عظيم… وهو الذي وصفه الله تعالى خالق الكون بأنه رسول من أنفسنا عزيز عليه ما عنتنا حريص علينا ورءوف رحيم بنا.
وثمة شيء آخر في بعث محمد؛ شيء يرتبط بالمكان والبيئة، شيء يجعلنا نبحث في ذكرى مولده عن أبعاد أخرى لهذا الاختيار، شيء يعبر عن الواقع والحال، فبعثه لم يكن مجرد بعث واختياره لم يكن مجرد اختيار. ولننظر لكل الأمم التي بعث الله فيها رسله وأنبياءه نجدهم قد عصوا ولم يتبعوا الرسل. لذلك بعث الله محمداً خاتماً للرسالات والأنبياء طوق نجاة من غياهب العصيان، ورحمة بالناس من تزاحم المظالم وهرج الشيطان الذي ارتفعت بأتباعه مؤشرات الشرك والضلال وظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وأصبح الظلم والفسوق تجارة في الأسواق تفترش مثلما كانت تفترش آلهة الشرك في أسواق مكة.
وها هو واقع حالنا اليوم ونحن نحتفل بذكرى المولد النبوي الشريف نقبض على مقابض الحياة بترهات عارية بما بشر به الرسول الكريم محمد ومكسوة بما أنذر منه. كان واقع الحال قبل إرسال محمد فساداً في معناه الأبعد والأعمق، حاله حال واقع حالنا الآن.
نحتفل كل عام بذكرى المولد النبوي الشريف وواقع أفعالنا هو ما بعث لأجله محمد. الاحتفال بمولده صار سنة نتعجل قدومها كل عام؛ تصنع الحلوى، وتدق الطبول، وتنشد الأناشيد في مدح رسول الله، وتعلو الأصوات في المنابر تمجيداً وفخراً. احتفال في ظاهره امتنان وعرفان وتصديق بمن جاء شاهداً ومبشرا ونذيراً وداعياً إلى الله وسراجاً منيراً. احتفال فيه صمت رغم ضوضائه، احتفال خال من التدبر والتعقل والهداية والاهتداء. احتفال لم نسأل فيه أنفسنا لماذا كان محمد خاتم الأنبياء الذين عصيت أقوامهم رسالة الله إليهم؟ وبماذا بشرنا محمد؟ وعن ماذا أنذرنا؟ وما الذي دعانا له؟
نحتفل ونحن في حياتنا نأتي بأفعال بعيدة كل البعد عما دعا له وما أنذر منه وهو الذي عزيز عليه عنتنا. أليس العنت الذي نعاني منه هو صنيعتنا بأيدينا وأفعالنا ومسلكنا؟ نتدافع في الأرض لنفسدها، وعلى لسان محمد جاء قول الله ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض﴾، والمقصود هو تدافع الخير والفضيلة، ونحن نتدافع في الشر الذي يفسد الأرض وليس في الخير الذي يدفع الفساد عنها، فكيف يكون الرسول بنا رءوفاً رحيماً ونحن أمته؟!
بعثه الله نبيّاً أميّاً بلسان عربي مبين، ونحن أبعد ما نكون اليوم عن هذا اللسان وحاله. إن أول ما تقاضينا عنه في أصل بعثة محمد هو جغرافية وتاريخ هذا اللسان المبين، وأصبحنا نتفاخر بالألسنة الأجنبية، وجعلناه ميتاً وجعلنا خلاياه ساكنة، فهل احتفالنا بذكرى المولد هو احتفال حياة وأحياء أم ذكرى موت وفناء لرسالة نبي كرمه الله وصلى عليه هو وملائكته؟ وهل نحتفل اليوم بذكرى مولد نجدد فيها الطاعة أم نواصل فيها العصيان غير آبهين بقول الله تعالى ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾؟ وهل سنتدافع بعد هذا الاحتفال دفاعاً لخير الأرض؛ دفاعاً يكون بمثابة جهاز مناعة يدفع عن الأرض الفساد، أم دفاعاً تحركه الغرائز والأطماع والشر؟
إن محمداً بعثه الله رسولاً كريماً يدعو إلى الصراط المستقيم وإلى القسط في الميزان بما يحقق العدالة في الأرض، ونحن في هذا الشهر الفضيل نحتفل بمولده ونسير بأفعالنا على الصراط المنحرف ونطفف في الميزان، ونظن أننا بهذا نبلغ مبلغ القوة، وحقيقة الأمر أننا بلغنا مبلغ العجز والهوان. ومثلما أنها ذكرى صرخة ميلاد بدخول الهواء في رئتيه الطاهرتين، فلنجعلها صرخة رجوع وأحياء لما بعث من أجله محمد، ولنجعله سراجاً منيراً في حياتنا. وصلى الله عليك وسلم يا حبيبي يا رسول الله يا محمد.
#ملف_الهدف_الثقافي #طلع_البدر_علينا #منال_مختار #المولد_النبوي #السيرة_النبوية #محبة_الرسول #وحدة_الوطن

Leave a Reply