ميدان المولد حينما كانت الثامنة بيتاً واحداً

صحيفة الهدف

د. نابغة محمد نجيب

ميدان المولد.. ذلك الميدان العريق الذي تعلّمنا فيه معنى الاحتفال الحقيقي بليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.

جغرافية الحب:

هو ليس مجرد قطعة أرض فاضية بين المدارس. هو ذاكرة الحارة كلها، محفوظة على أرضه وفي فضائه.

يحدّه من الشرق مدرسة الحارة الثامنة الابتدائية بنين، بصوت الجرس ونشيد العلم الذي يدوي في أعماقنا كلما مررنا بجوارها. ومن الغرب مدرسة الحارة الثامنة الثانوية بنين.

أما الناحية الشمالية فكانت مملكة كاملة من الجمال: صفوف من خيم بيع حلاوة المولد. علب الحلاوة بألوانها الزاهية، سمسمية، فولية، وحلاوة لكوم مرشوشة بسكر ناعم، والرفوف تزينها عرائس المولد وأحصنة الحلوى. وفي النص ماكينات غزل البنات بتلف وبتطلع خيوط سكر وردية وبيضاء كأنها غيمة نزلت الأرض.

وفي الناحية الجنوبية كان القلب والروح النابض: خيم الطرق الصوفية.

صوت الميدان:

وهنا تبدأ الحكاية.

وهنا حلقة شيخ يرجّح؛ يضرب النوبة ضرباً فتئن وترن.

صوت النوبة ما كان مزعجاً، كان نداءً. كان بيجمعنا. معاه صوت المديح الشجي، وصوت المنشد وهو يمدح سيدنا النبي، والرجال يرددون من وراه بقلوب خاشعة.

كان الميدان كله يتنفس إيقاعاً واحداً بحب الرسول.

ملتقى الذكريات:

رغم صغر مساحة المولد في الميدان، إلا أنه كان واسعاً باتساع فضائه الروحي.

كان ملتقى أبناء الحارة الثامنة. هنا اتعرفنا، هنا لعبنا، وهنا نسج «حسان الحارة» ذكرياتهم الأولى. الأطفال يلتفوا حول أرجوحتين، والبنات يتلمّوا حوالين خيم الحلاوة يختاروا بعناية. والأمهات والآباء يجولوا بين الخيم، يشتروا من أنواع الحلوى مع بشاشة البائعين.

كان مزيجاً عجيباً:

ضحكات الأطفال الطايرة في الهواء، ودقات النوبة المنتظمة، ونداء الباعة «حلاوة المولد يا ناس.. سمسمية وفولية»، وريحة البخور الطالعة من خيم المديح.

لماذا كان مختلفاً:

لأن المولد في الحارة الثامنة ما كان احتفالاً استهلاكياً. كان درساً في الحميمية. كان درساً في إنو الفرح بسيط لما يكون مشترك. كان درساً في إنو الدين ممكن يكون فرح ونوبة ومديح وحلاوة وسلام، كله في ميدان واحد.

مرت السنوات، وكبرنا، وتغيرت أشياء كثيرة. لكن ميدان المولد فضل محفوراً. كل ما يجي ربيع الأول، برجع بالذاكرة لذاك الصوت، لذاك الطعم، ولذاك الإحساس بأن الحارة كلها كانت بيتاً واحداً كبيراً.

رحم الله الأيام، وحفظ الله الحارة الثامنة وأهلها.

#ملف_الهدف_الثقافي #ميدان_المولد #الحارة_الثامنة #نابغة_محمد_نجيب #المولد_النبوي #السيرة_النبوية #محبة_الرسول #وحدة_الوطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.