راما عبد الله
من أصعب ما يمكن أن يفعله أي مجتمع مع نفسه أن ينظر إلى المرآة بصدق. فالاعتراف بالمشكلة ليس إساءة إلى الذات، بل هو أول طريق الإصلاح. ولذلك أطرح سؤالاً قد يكون صادماً: هل مشكلتنا هي الكسل، أم أننا أصبحنا أسرى لثقافة الانتظار؟
كشفت الـح.رب، بكل مآسيها، عن وجوه كثيرة في الشخصية السودانية؛ وجوه تدعو إلى الفخر، وأخرى تستحق المراجعة. رأينا نماذج بطولية في العطاء والتضحية والصمود، لكننا رأينا أيضاً مشهداً يتكرر في أكثر من مكان: شباب يقضون ساعات طويلة في المقاهي والشوارع والتجمعات، يتابعون الأخبار ويتبادلون الأحاديث، بينما تمر الأيام من دون محاولة جادة لتغيير واقعهم.
في بعض دول اللجوء، يبدو المشهد أكثر إيلاماً. ليس لأن الظروف سهلة، بل لأنها صعبة إلى درجة تستدعي مضاعفة الجهد. ومع ذلك، يختار بعض الشباب الانتظار، وكأن الحياة ستتغير من تلقاء نفسها، أو كأن فرصة ما ستأتي من دون سعي أو إعداد.
هنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي. هل هؤلاء كسالى؟ أم أن شيئاً أعمق حدث لهم؟ فالإنسان الذي يعيش طويلاً في انتظار الفرج قد يفقد تدريجياً إحساسه بقدرته على صناعة شيء من واقعه. يتحول الانتظار من موقف مؤقت فرضته الظروف إلى طريقة في التفكير، ثم إلى أسلوب حياة.
والحرب، بما أحدثته من اقتلاع وفقد وتشرّد، جعلت هذا السؤال أكثر قسوة. فمن الطبيعي أن يحتاج الإنسان المنهك إلى وقت ليستعيد توازنه، ومن الظلم أن نطالب من فقد بيته أو عمله أو استقراره بأن يتصرف وكأن شيئاً لم يحدث. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول انتظار استعادة الحياة إلى انتظار الآخرين كي يعيدوا بناءها نيابة عنا.
ليست المشكلة إذن في قلة الفرص وحدها، بل في علاقتنا بالفرصة نفسها. هل نبحث عنها؟ هل نعد أنفسنا لها؟ هل نصنع منها فرصة حين لا نجدها جاهزة؟ أم نظل ننتظر الوظيفة، والمساعدة، والتمويل، والظرف المناسب؟
وهذه الثقافة لا تظهر في سوق العمل وحده. يمكن أن نجدها في التعليم أيضاً؛ حين يصبح الحصول على الشهادة لا اكتساب المعرفة والمهارة، وفي الحياة المهنية حين يصبح انتظار الوظيفة بديلاً عن بناء مشروع أو تعلم مهارة جديدة. وتظهر كذلك في المجال العام، حين ننتظر دائماً أن يأتي الحل من مؤسسة أو حكومة أو جهة أخرى، بدلاً من أن نسأل أنفسنا عما نستطيع فعله بما هو متاح لنا.
حتى الإعلام لم ينجُ من هذه الثقافة. فقد أصبح الاعتماد على المحتوى السريع والجاهز أكثر حضوراً. بدلاً من التحقيق والبحث والتحليل، انتشرت ثقافة النسخ واللصق وإعادة تدوير الأخبار، والبحث عن أعلى مشاهدة بأقل جهد. ومع صعود المنصات الرقمية، أصبح بعض صناع المحتوى مستعدين لتقديم أي شيء يجذب الانتباه، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة والمهنية.
وهنا تبدو المسألة أوسع من كسل فردي. فالإعلامي الذي ينتظر خبراً جاهزاً ليعيد نشره يشبه الخريج الذي ينتظر الوظيفة، والشاب الذي ينتظر فرصة لا يستعد لها، والمجتمع الذي ينتظر دائماً من يأتي ليحل مشكلاتـه. في الحالات كلها، هناك مسافة تتسع بين الرغبة في النتيجة والاستعداد لبذل الجهد الذي يقود إليها.
لكن من الظلم أن نضع الجميع في سلة واحدة. فوسط هذه الظروف نفسها، هناك سودانيون أسسوا مشاريع صغيرة في بلدان اللجوء، وواصلوا تعليمهم، وتعلموا مهناً جديدة، وتطوعوا لخدمة مجتمعاتهم، ونجحوا في بناء مسارات مهنية مختلفة. هؤلاء لا يمثلون استثناءً غريباً، بل يقدمون دليلاً على أن الظروف الصعبة لا تلغي دائماً القدرة على المبادرة.
المشكلة، إذن، ليست في الهوية السودانية، ولا في أن السودانيين أقل قدرة على العمل من غيرهم. المشكلة في أنماط من السلوك يمكن أن تتغير، وفي ثقافة قد تجعل الانتظار يبدو أحياناً أكثر راحة من المحاولة، حتى عندما تكون المحاولة هي الطريق الوحيد للخروج.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تعني جلد الذات. فالحديث عن ثقافة الانتظار لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام للفقراء أو اللاجئين أو العاطلين عن العمل. هناك ظروف قاهرة، وهناك حواجز حقيقية، وهناك من يحتاج إلى دعم نفسي واجتماعي ومادي قبل أن يستطيع الوقوف من جديد. والحرب تركت آثاراً عميقة لا يمكن تجاوزها بمجرد دعوة الناس إلى الاجتهاد.
المطلوب هو شيء آخر: أن نستعيد قيمة المبادرة، وأن نعيد للعمل مكانته، وأن نربط التعليم بالمهارة والإنتاج، وأن نشجع الشباب على التعلم والعمل الحر وريادة الأعمال، لا باعتبارها شعارات، وإنما باعتبارها وسائل واقعية لاستعادة القدرة على الفعل.
ويحتاج الإعلام، بدوره، إلى أن يراجع دوره. فبدلاً من أن يكرس ثقافة الاستهلاك السريع، يمكنه أن يصنع نماذج مختلفة؛ أن يحتفي بمن بدأ من الصفر، ومن تعلم مهنة، ومن أسس مشروعاً صغيراً، ومن واصل تعليمه رغم الـح.رب، ومن حوّل محنته إلى تجربة جديدة. فالقدوة أحياناً أكثر تأثيراً من النصيحة.
وفي النهاية، لا يمكن لمجتمع أن يبني مستقبله إذا ظل ينتظر أن يبدأ المستقبل من مكان آخر. الموارد مهمة، والظروف مهمة، والسياسات مهمة، لكن كل ذلك يحتاج إلى إنسان يشعر بأن له دوراً في تغيير واقعه.
ربما لا تكون مشكلتنا هي الكسل بالمعنى المباشر. ربما تكمن المشكلة في اعتياد الانتظار؛ في أن نألف فكرة أن الفرصة يجب أن تأتي إلينا، وأن الحل يجب أن يبدأ من الآخرين، وأن الظروف ينبغي أن تتحسن أولاً حتى نبدأ نحن.
لكن الظروف نادراً ما تكون مثالية، والفرص لا تأتي دائماً في صورتها المكتملة. أحياناً تبدأ بخطوة صغيرة، بمهارة جديدة، بكتاب، بمشروع متواضع، بعمل تطوعي، أو حتى بقرار شخصي بأن نكسر دائرة الانتظار.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل نحن كسالى؟ السؤال الأصعب هو: كم من حياتنا أضعناه ونحن ننتظر أن يتغير شيء، بدلاً من أن نحاول تغييره؟
وربما يكون أول طريق الخروج من ثقافة الانتظار أن نسأل أنفسنا كل صباح: ماذا فعلت اليوم ليكون الغد أفضل مما كان عليه الأمس؟
#الكسل #ثقافة_الانتظار #السودان #تطوير_ذاتي #وعي #المبادرة #الهدف #ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply