عبدالمنعم مختار
الحلاقة، في أصلها، ليست أكثر من فن صغير يعيد ترتيب الملامح ويمنح الوجه هوية جديدة. وهي، عبر التاريخ، لغة اجتماعية لا تقل بلاغة عن الأزياء أو الموسيقى أو العمارة. فما يُعد وسامة في مدينة قد يُنظر إليه باستغراب في مدينة أخرى، وما تفضله أجيال اليوم قد ترفضه أجيال الأمس. فمن “القصة العسكرية” إلى الشعر الطويل، ومن الرؤوس المحلوقة إلى الضفائر والتموجات، ظل الشعر مساحة شخصية يعبّر بها الإنسان عن ذوقه وانتمائه وعصره، لا ميداناً لفرض الوصاية أو إصدار الأحكام، ودأب الشباب في كل العصور والأزمنة على تقليد المشاهير من ممثلين ومغنيين ولعيبة كرة بالإضافة لحركات الرفض “الخنفس والهيبز”.
ولذلك لم تكن الحلاقة يوماً قضية قانون، وإنما قضية حرية شخصية ما دامت لا تمس حقوق الآخرين. فلا يوجد مجتمع حي يخضع أذواق شبابه لمقص السلطة، لأن الجمال لا يُدار بالأوامر، والهوية لا تُرسم بالموس.
لكن التاريخ السوداني يحمل شاهداً مؤلماً على استخدام الحلاقة أداةً للإذلال. ففي مطلع تسعينيات القرن الماضي، وكنت آنذاك طالباً بالسنة النهائية بقسم هندسة وتكنولوجيا النسيج بجامعة الجزيرة، شهدت الجامعة واحدة من أكثر الفترات توتراً في مواجهة سياسات ما سُمّي بـ”ثورة التعليم العالي”. خرج الطلاب احتجاجاً على إلغاء مجانية التعليم، وتقليص السكن والإعاشة، وفصل عدد من أساتذة الجامعة، وفرض الرسوم، والتوسع غير المدروس في التعليم العالي، والتعريب المتعجل للمناهج.
واجهت السلطة تلك الاحتجاجات السلمية بالهراوات والغاز المسيل للدموع والاعتقالات. وجُلِدت طالبات الجامعة بالسياط في واقعة هزت الضمير السوداني، كما حُلقت رؤوس أعداد كبيرة من الطلاب قسراً بأوامر قضائية، في محاولة لإذلالهم وكسر إرادتهم. يومها كان العقيد سليمان محمد سليمان حاكماً للإقليم، والدكتور مالك عثمان نائباً له، بينما ارتبط اسم القاضي عبد المجيد إدريس بالأحكام التي شملت جلد الطالبات والتوجيه بحلق رؤوس الطلاب. وقد قوبلت تلك الممارسات بإدانات واسعة داخل السودان وخارجه، وبقيت وصمة سوداء في سجل تلك المرحلة.
ولم تكن تلك الحوادث سوى الوجه القاتم لتحويل الحلاقة من وسيلة للعناية بالمظهر إلى أداة للعقاب والإهانة. وحين يُجبر شاب اليوم في الطريق العام على الجلوس أرضاً ليُحلق رأسه وسط الضحكات والسخرية وعدسات الهواتف، فإن الذي يُنتزع ليس شعره، وإنما كرامته وثقته في القانون وإحساسه بأن الدولة تحمي حقوقه.
والأشد خطورة أن يتحول هذا المشهد إلى مادة للفرجة على منصات التواصل الاجتماعي، فيصبح الألم محتوى للتسلية، ويغدو التشهير عقوبة مستمرة لا تنتهي بانتهاء الحلاقة، بل تتجدد مع كل مشاهدة للمقطع.
ويبقى السؤال: بأي نص قانوني تُفرض هذه العقوبة؟ وأي تشريع يمنح فرداً أو جهة حق العبث بجسد إنسان أو مظهره خارج سلطة القضاء؟ إن العقوبات في الدول يصدرها القضاء وفق القانون، لا الأهواء ولا الانفعالات. وما عدا ذلك ليس سوى اعتداء صريح على الكرامة الإنسانية وانتحال لسلطة لا يملكها أحد.
إن المجتمعات التي تحترم نفسها لا تقيس انضباط شبابها بطول شعورهم، بل باتساع أفقهم وعقولهم وقدرتهم على التفكير والإبداع، ولا تصنع هيبة الدولة بإذلال المواطنين، بل بصيانة حقوقهم. فالكرامة ليست امتيازاً تمنحه السلطة، وإنما حق أصيل يولد مع الإنسان، وكل يد تمتد لانتزاعها، مهما رفعت من شعارات، إنما تنتقص من هيبة الدولة نفسها.
قد يطول الشعر أو يقصر، وتتغير الموضات بتغير الأزمنة، لكن قيمة الإنسان يجب أن تبقى ثابتة، لا تمسها أمواس العابرين ولا نزوات أصحاب السلطة. فالأوطان التي تحرس كرامة أبنائها هي وحدها التي تستحق أن تُحرس… وياللعار على كل من صمت في وجه هذا الاستبداد والإذلال.
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #عبدالمنعم_مختار #الكرامة_الإنسانية #معركة_الوعي

Leave a Reply