د. جمال الجاك
لا يمكن لزهرة أن تنبت في أرضٍ شُيّدت فوقها المقابر، ولا يمكن لقصيدة أن تولد على ألسنة أُلجمت بصليل السيوف وسياط الوعظ القسري. حين تتأمل المشهد الثقافي والوجداني السوداني، تتملكك دهشة صارخة: كيف لحركة سياسية هيمنت على مقاليد السلطة والمجتمع لثلاثة عقود — بكل إمكانياتها المؤسسية والمالية — أن تخرج من مولد الإبداع (بحمص) الخواء؟
تساءلت الأستاذة رشا عوض بجرأة الناقد، وجاوب المستشار سيف الدولة حمدناالله بعمق العارف، عن السر وراء هذا “التصحر الإبداعي” و”الخواء الفكري” المتأصل في جسم الحركة الإسلاموية (“الكيزان”). والواقع أن الغوص في هذه الظاهرة يتطلب ما هو أبعد من مجرد الرصد السياسي، إنه يستدعي تشريحاً نقدياً ونفسياً واجتماعياً للنية البنيوية لهذه العقلية التي لم تعجز فقط عن إنتاج أديبٍ يلامس شغاف الوجدان، بل عجزت حتى عن إنتاج عالم دينٍ يقدم فكراً يواجه أسئلة العصر.
أولاً: النرجسية العقائدية واغتيال “الإنسان” (البُعد النفسي)
في شرعة الإبداع، يُعدّ (الإنسان) بشغفه، وضعفه، وتناقضاته، وأفراحه، وأتراحه هو مركز المجرة. الإبداع وليد التساؤل، الشك، المرونة، والتعاطف العميق مع التجربة البشرية. وهو ما ينعكس جلياً في منجز رواد الأدب والفن السوداني من أمثال محجوب شريف، والقدال، وحميد، والطيب صالح، الفيتوري ومحمد المكي إبراهيم ومحمد نجيب محمد علي… الخ، والنقاد مجذوب عيدروس، وجيل الشاعرات والروائيات الجسورات كاستيلا قايتانو وسارة الجاك ووئام كمال، وشباب المبدعين أمثال عصام عبدالسلام وحسن بكري والطيب برير… الخ، أولئك الذين نفذوا إلى وجدان السودانيين لأنهم تحدثوا بلسان “الإنسان” العاري من الوصاية.
في المقابل، تعاني الشخصية الإسلاموية في عمقها النفسي مما يمكن تسميته بـ (النرجسية العقائدية) (Ideological Narcissism):
-
اختزال الإنسان في مشروع وعظي: لا يرى الفكر الإخواني أو السلفي في الإنسان كائناً جديراً بالإصغاء أو التسامح مع ضعفه، بل هو مجرد “مشروع هداية” أو “هدف للضبط والسيطرة”.
-
وهم الألوهية والوصاية: يضع الإسلاموي نفسه في مرتبة المتحدث باسم الله، فيمطّ ذاته لتصبح هي (الحق المطلق)، وما دونها هو الضلال النادر.
-
العجز عن التماهي وجدانياً (Empathy Deficit): الفن والأدب يحتاجان إلى (قدرة عالية على التماهي النفسي) مع الآخر. وبما أن الفكر الإسلاموي يقوم على تقْسيم العالم إلى (نحن المقربون / هم الضالون)، فإن تربته النفسية تصبح جافة بالكامل، غير قابلة لاستزراع شتلة فن واحدة. فالشاعر الذي يعتقد أنه يملك كل الأجوبة، لن يكتب قصيدة عن حيرة الروح، والكاتب الذي يرى المجتمع رجساً يجب تقويمه بالسياط، لن ينتج رواية تفهم تعقيدات النفس البشرية.
ثانياً: الفساد المُمأسس وتزييف الفضيلة (البُعد الاجتماعي)
لم يقتصر عقم (الكيزان) على مجالي الأدب والفنون، بل امتد ليتمدد في عمق المشهد الديني والفقهي نفسه، كما أشار الأستاذ سيف الدولة حمدناالله. أين هم علماء الدين والفقهاء والمجددون الذين تخرجوا من رحِم هذه الحركة؟ لا أحد! لقد تركوا المنبر الديني لشخصيات هزلية توظف السخرية السطحية والشتائم في قضايا النكاح والحيض، بينما انشغلت قياداتهم بالتمكين الدنيوي.
هذا الانكفاء لم يكن محض مصادفة، بل كان ضرورة اجتماعية لخدمة هدفهم الوحيد: (شرعنة الفساد وتزييف الوعي الجمعي).
-
إعادة تعريف الفضيلة والفساد: عملت الحركة عبر جهازها السلطوي على هدم السلم الأخلاقي التقليدي للمجتمع السوداني. الفساد الذي كان عاراً ومجلبة للخزي، أُعيد إنتاجه وتغليفه برداء ديني؛ فصار الفاسد وناهب المال العام هو “الحاج” الذي يتقدم المصلين، وتتسع طبعة الصلاة في جبهته بقدر ما تتسع ذمته المالية!
-
تجميد العقل الفقهي: خشي الكيزان من ممارسة “التجديد الفقهي” أو الخوض في الفكر الحر، لأن فتح باب الاجتهاد كان سيفكك منظومتهم القائمة على الفساد والاستبداد. لذا، آثروا تسديد الفكر الديني واستدعاء السلفية السطحية التي تغيب العقل، وتنشغل بجسد المرأة ومبطلات الوضوء، لتخدير المجتمع وإبعاده عن المساءلة السياسية والأخلاقية.
-
تدمير (الوطن) كقيمة جامعة: الوطن في الأدبيات الإخوانية والسلفية ليس سوى (رقعة جغرافية للتمكين). لا قيمة للتاريخ السوداني، ولا للتنوع الثقافي، ولا للهوية الممتدة. وحين يُسلب الوطن من معناه الوجداني، تجف منابع الهوى الوطني، فلا تجد عندهم خليل فرح آخر، ولا من ينظم في “حب السودان” ملحمة تسكن الوجدان الجمعي.
ثالثاً: الإبداع البديل.. المهارة في الهندسة الشيطانية!
قد يتبادر إلى الذهن أن الكيزان يفتقرون للإبداع مطلقاً، بيد أن الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أنهم أبدعوا بالفعل، ولكن في الاتجاه المعاكس للقيم الإنسانية.
لقد أبدع الكيزان في:
-
فن هندسة الخراب: التفنن في تفتيت النسيج الاجتماعي السوداني، وتأجيج النعرات القبلية والمناطقية.
-
إبداع الآلات التمكينية: ابتكار آليات جهنمية لنهب الموارد، وتجريف المؤسسات، ومأسسة الفساد.
-
البلاغة الفاشية: استخدام لغة الكراهية والتحريض وتكفير المخالفين، وتحويل الدين من (رحمة للعالمين) إلى (سيف لقطع الرقاب).
لقد التجأوا إلى هذا (الإبداع الأسود) لأن الإبداع الحقيقي (الفن، الأدب، الفكر، الفلسفة) يتطلب حرية وسعة صدر، وهما أعدى أعداء الأيديولوجيا المغلقة.
الخاتمة: ثورة الوجدان هي الحل
إن قضية (التصحر الإبداعي) لدى التيار الإسلاموي ليست عارضاً جانبياً، بل هي الجين الأساسي لتكوينهم. حركة لا ترى في الوطن إلا غنيمة، ولا في الإنسان إلا مشروعاً للجلط والوعظ، ولا في الفن إلا رجساً، هي حركة محكوم عليها بالموات الوجداني والفكري مهما امتلكت من أدوات البطش والنفوذ.
إن أزمة السودان اليوم لا تكمن فقط في إعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد، بل في (استرداد الوجدان السوداني) من زيف العقود الماضية. إن المقاومة الحقيقية لهذا الفكر تنبع من إعادة الاعتبار للشعر، والفن، والفكر الحر، والرؤية التسامحية للإسلام الممتدة في ثقافة التصوف السوداني الأصيل.
سيبقى الفيتوري وحميد والطيب صالح وأزهري محمد علي وحسن بكري… الخ في أفئدة السودانيين لأنهم كتبوا بماء القلوب ورائحة الأرض، بينما سيبقى الكيزان مجرد هامش مظلم في كتاب التاريخ: سلطة بلا ثقافة، وتدين بلا أخلاق، وجسد بلا روح!
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_جمال_الجاك #التصحر_الإبداعي #معركة_الوعي

Leave a Reply