بين أحلام اليقظة وقسوة الواقع

صحيفة الهدف

د. أحمد الليثي

ثمة حياةٌ نعيشها، وأخرى نؤجلها إلى أحلام اليقظة.
في تلك المساحة التي لا يحكمها الزمن، نعيد كتابة ما أفسدته الأيام، وننتصر في المعارك التي خسرناها، ونلتقي بمن خطفهم الغياب، ونقول الكلمات التي تأخرنا عن قولها.
هناك، يبدو العالم أكثر عدلًا، ونحن أقرب إلى الصورة التي تمنينا أن نكونها.
لكن الواقع لا يعترف بالأمنيات.
له قوانينه الصارمة، وثمنه الذي لا يقبل التقسيط.
لا يكافئ من يحلم أكثر، بل من يعمل أكثر، ولا يفتح أبوابه لمن يتخيل الطريق، بل لمن يسير فيه، ولو تعثر.
لذلك تبدو قسوته مضاعفة؛ لأنه لا يكتفي بأن يرفض بعض أحلامنا، بل يجبرنا أحيانًا على التعايش مع ما لم نختره.
مع ذلك، لم تكن أحلام اليقظة يومًا عدوًا للواقع، بل كانت محاولةً لإنقاذ الإنسان من قسوته.
فمن دونها، لما تجرأ أحد على تجاوز واقعه، ولا وُلدت فكرة، ولا قامت حضارة، ولا نهض إنسان بعد سقوط.
غير أن الحلم يصبح عبئًا حين يتحول إلى وطنٍ نهرب إليه، والواقع يصبح سجنًا حين نقبل به قدرًا لا يُقاوَم.
الحكمة ليست في أن نقتل أحلامنا إرضاءً للواقع، ولا أن ننكر الواقع وفاءً لأحلامنا، بل أن نجعل الحلم بوصلة، لا سريرًا، وأن نجعل الواقع ميدانًا للعمل، لا مقبرةً للأمل.
فربما كانت قسوة الواقع قدرًا لا نملك دفعه، لكن أن نستسلم له تمامًا، فذلك هو الخيار الوحيد الذي يستحق أن نخشاه.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.