ماذا لو تقابل معاوية محمد نور وكافكا؟

صحيفة الهدف

كمال حافظ

أني لا أستطيع منع نفسي من رؤية شبه شديد بين الرجلين، فكلاهما عاشا عيشة مأزومةً مأساوية، فما تحملا ثقل الحياة وغادراها على عجل في نهاية محزنة، الأول في مطلع الثلاثينيات من عمره جرّاء علّة نفسية والآخر في بداية أربعينياته بداء السل، وكلاهما استصغر أهلوهما «الأدب!» وما ظنوه دراسة لائقة، فقادهما ذلك لدراسة مجالين في الجامعة على غير ما يريدان، معاوية؛ الطب (الا أن عناده جعله في النهاية يدرس الآداب بالجامعة الأمريكية ببيروت)، وكافكا؛ القانون، انصياعا لرغبات والده المتجبر، وكلاهما جمعت أعمالهما بعد وفاتهما، فقد جمع ابن اخت معاوية «رشيد عثمان خالد» في النصف الأول من الستينات بعض كتابات خاله، حيث استل ما تيسر من مقالاته وقصصه من كبريات المجلات والصحف المصرية، التي كتب بها نور، ووضعها «رشيد» في مطبوعٍ واحد… أما كافكا فلم يكن معروفًا في حياته الا في نطاق ضيق بين مثقفي براغ وألمانيا ونشرت له بضعة قصص بشكل محدود، ورغم أنه وقبل وفاته اوصى صديقه «ماكس برود» بحرق كل ما لم ينشر من كتاباته -وهو الأغلب- (وكان كافكا بالمناسبة دائم الشك في قدراته، وكان يظن نفسه فاشلا، اعماله لا تستحق أن تعرض على الناس) الا أنه ولحسن الحظ ولطف الأقدار، لم ينفذ «برود» وصية صديقه، وقام بنشر أعماله، واهتم الناس في أوروبا بكتاباته بُعَيد الح.رب العالمية الثانية ولقي انتشارًا عالميًا في فترة الستينات…

يا رجل، حتى انني لأرى شيئا من شبه في سمت الرجلين ووجهيهما…

كذلك كافكا ونور شخصيات دوستويفسكية بامتياز، وكأنهما خرجا من احدى رواياته… والطريقة التي يكتب بها نور، تذكرني تلك الفقرات المطولة التي ينطلق فيها راسكولنيكوف بالكلام بشكلٍ محموم في الجريمة والعقاب (وأول مرة ألحظ ذلك في مقاله عن الأدب الواقعي، اتمنى ان تعودوا إليه)، كما أن سيرة كافكا وصراعه الداخلي وآراءه حول حياته المكتبية الرتيبة، وقصته «الكافكوية» -ان سمحتم لي- مع أبيه، وحياته العاطفية، بالذات مع ميلينا، تبدو كقصة لدوستويفسكي، بل وسيرة نور أيضًا، ابتداءً سكناه، بلا طعام تقريبًا، على سطح احدى العمارات بمصر الجديدة، في غرفة صغيرة، خالية من كل شيء عدا اعمدة الكتب والمراجع، وانتهاءً بسنواته الأخير، حين يصاب بلوثة تدخلته مستشفى الأمراض العقلية بالقاهرة، يعود منه الى السودان، متشبثًا أشد التشبث بالمصحف (كتاب مقدس)، وقيل أنه في تلك الأيام كان يتحدث بكلامٍ «برا من راسو»، فأخذه ذووه إلى «فكيٍّ»، ليعالجه بالأعشاب والطلاسم، كما ربطه وألهب جسده بالسياط حتى مات…

يا للأسف! ويا للخسارة!

لا أدرى ماذا كان سيقول كافكا عن معاوية! وربما لو وقعت أعمال كافكا بين يدي معاوية، لوضعها تحت عدسته الفاحصة، واجرى فيها ادوات نقده المنهجي التي لا تجامل، ولربما اخرج مقالة أو اثنتين يتحدث فيهما عن براعة كافكا وإبداعه، وكال له المديح الذي نادرًا ما يكيله لأحد، وهو المعروف بنقده اللاذع للجميع! مديحًا يعطيه قليلًا من ثقة في نفسه، تجعله يتمسك بالحياة أكثر… ولربما قام كافكا بمساعدة معاوية ليُجَوِّد أقاصيصه السايكولوجية، التي كان من الممكن ان تتطور وتطول لتصبح روايات كاملة!

مؤسف حقًا، أن كلا نور وكافكا، وهما المبدعان المهولان، ذهبا، قبل أن يعطيا كل ما لديهما، بل ربما ما بين أيدينا هو مجرد قطرة من سيل ابداعهما الذي دفن داخل صدريهما لحظة غادرت روحاهما الجسد…

لكن تبقى آثارهما بين أيدي العالمين ليقرؤوها…

وجيّدٌ أن معاوية، الذي كتب مستغربًا في «ملاحظاته العامة»، عن السودان، «مالهذه الأرض الآمنة قد حل بها الخراب!»، ورغم أن الحال من وقتها ما تبدل كثيرا، جيد أنه لم يرها الآن، وقد تحولت إلى (مستعمرة العقاب) التي رسمها كافكا لنا في قصته الشهيرة… بلدٌ يعدم فيه الناس، بتهمٍ جزافية، بلا حقٍ للدفاع، ولا حتى معرفةٍ لسبب العقاب! فأي خرابٍ أكثر من ذلك!

وما أدراني وأنا أسأل سؤالي في بداية الكلام! ربما في مكانٍ ما في الجانب الآخر، التقى معاوية بكافكا، وهما الآن يناقشان الفن والأدب والفلسفة، وينظران إلينا الآن من علٍ، ويهزآن بحالنا المزري، وبالحياة التي سحقتهما… فكما قال تشارلي تشاپلن “الحياة مأساة إن نظرت إليها عن قرب، ولكنها كوميديا في اللقطة البعيدة”.

ربما…

من يستطيع التحقق من ذلك؟!

#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #كمال_حافظ #معاوية_محمد_نور #فرانز_كافكا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.