جليستي اليوم حمامة

صحيفة الهدف

د. أسماء التوم

أعلنوا عن هدنة.
كلمةٌ عابرة، خفيفة في أفواههم،
ثقيلة في جدران بيتٍ تشقّق من فرط ما احتمَل.
تسللت الشقوق كذاكرةٍ لم تُغلق،
كأن الجدران أيضًا تخاف،
كأن الحجر تعب من الصمود.

قلت في نفسي:
لعلها فرصة…
ليس للنجاة، بل للنظر فقط.
أن أطلّ من الشباك،
أن أتحقق إن كان العالم ما يزال هناك،
أم أنه انكمش مثلنا،
وتعلّم كيف يختبئ.

قالوا لنا:
الأرض هي الأأمن.
تمدّدوا…
كونوا أقرب ما يكون إلى التراب.
فعلنا.
حتى أنهكتنا الأرض،
وأنهكنا الخوف،
وصار الجسد سجادةً للصبر.

نأكل ما يشبه الطعام،
لقيمات بلا طعم،
ونشرب ماءً لا يطفئ شيئًا.
الهلع لا يعرف الشهية،
إنه يعلّمك كيف تعيش بأقل مما تحتاج،
وكيف تحوّل الغريزة إلى طقس يومي للبقاء.
لم نكن نعيش…
كنا نؤجل الموت.

جلست.
وكان الخوف يجلس قبلي.

وبجواري،
هبطت حمامة.
لم تكن بيضاء تمامًا،
ولا خائفة تمامًا.
في منقارها عشبة،
كأنها تحمل فكرة،
أو بداية،
أو وهمًا صغيرًا اسمه “عش”.

وضعتها على الحائط المتصدّع،
حائط يعرف معنى السقوط ولا ينهار.
ثم نظرت إليّ.
نظرة طويلة،
لا تشبه نظرات البشر.
فيها سؤال،
وفيها شفقة،
وفيها سخرية خفيفة من كل هذا الخراب.

قالت، كمن يمزح مع القدر:
«أأنتِ نازحة مثلي؟
أم ما زلتِ تصرين على تسمية هذا المكان بيتًا؟»

لم أجب.
الكلمات في زمن كهذا تكلّف أكثر مما تحتمل الروح.
لكن الحمامة لا تنتظر إجابة.
هي تعرف أن الصمت أيضًا اعتراف.

تابعت حديثها،
وكأنها تحدّث نفسها،
أو تحدثني من مستقبلٍ أقل خرابًا:

«لا تحزني…
نحن لا نملك رفاهية الانكسار طويلًا.
افعلي مثلي.
كلما سقط العش،
نجمع ما تبقّى من الأعشاب،
ونعيد المحاولة.

ليس لأننا ننتصر،
بل لأننا نرفض أن نختفي.
ابني عشك مرة أخرى،
ولو على حافة الخوف،
ولا تسمحي لهم
أن يجعلوا الهزيمة
تشكل حياتك.

١/٨/٢٠٢٣
أم درمان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.