أمجد السيد
هناك أرقام تمر في حياة الصحف مرورًا عاديًا، وهناك أرقام تتجاوز دلالتها الحسابية لتصبح شاهدة على تجربة تستحق التوقف عندها، والعدد المائة للملف الثقافي في صحيفة الهدف هو من هذا النوع.
لا أريد أن أكتب عن الرقم في حد ذاته، ولا عن صعوبة الاستمرار فذلك سيكتبه كثيرون، ما يشغلني هو ما صنعته هذه التجربة خلال مسيرتها، وكيف تحولت صفحات الملف الثقافي إلى مساحة التقت فيها أقلام عربية من مختلف الأقطار لتكتب في صحيفة سودانية، وتحاور القارئ السوداني وتؤكد أن الثقافة ما زالت قادرة على أن تجمع ما فرقته السياسة.
منذ انطلاق الملف الثقافي، لم يكن الهدف أن يكون نافذة للأدب والفنون فحسب، بل أن يكون فضاءً للحوار ومنبرًا مفتوحًا أمام كل قلم جاد، يؤمن بأن الثقافة رسالة، وأن الكلمة تستطيع أن تؤدي دورًا لا يقل أهمية عن أي مشروع سياسي أو اجتماعي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الـح.رب تعزل السودان عن محيطه، كانت الثقافة تقوم بالعكس تمامًا؛ كانت تمد الجسور مع الأشقاء العرب، وتستقبل كتابًا ومفكرين ومبدعين من مختلف البلدان العربية يكتبون في صفحات الهدف وكأنهم يكتبون في صحيفة تصدر من عاصمتهم. لم يشعر أحد بالغربة، لأن الثقافة بطبيعتها لا تعترف بالحدود، ولا تحتاج إلى تأشيرة عبور.
هذه ربما تكون أهم الرسائل التي قدمها الملف الثقافي خلال رحلته؛ لقد أعاد الاعتبار لفكرة العمل الثقافي العربي المشترك، ولكن ليس عبر المؤتمرات والشعارات، وإنما عبر ممارسة يومية هادئة قوامها احترام الفكر والانفتاح على الآخر والإيمان بأن الحوار هو الطريق الأقصر لبناء الوعي.
لقد كنا نؤمن، وما زلنا، بأن السودان جزء أصيل من محيطه العربي، وأن الثقافة واحدة من أهم وسائل تعزيز هذا الانتماء، لذلك لم يكن انفتاح الملف على الأقلام العربية أمرًا عابرًا، بل كان خيارًا واعيًا، يعكس رؤية تؤمن بأن الأمة العربية، مهما فرقتها الظروف، ما زالت تمتلك رصيدًا ثقافيًا قادرًا على جمعها.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها لم تكتفِ باستضافة الأسماء المعروفة، بل فتحت صفحاتها أيضًا للأصوات الجديدة، لأن الثقافة الحقيقية لا تعيش على الأمجاد وحدها، وإنما تتجدد كل يوم بأفكار جديدة وأقلام جديدة.
العدد المائة ليس نهاية طريق، بل بداية مرحلة جديدة، وهو دعوة لأن نواصل ما بدأناه، وأن نجعل من الملف الثقافي مساحة أوسع للحوار والإبداع، وجسرًا متينًا بين السودان ومحيطه العربي، ومنبرًا يؤمن بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.
قد تختلف الصحف في توجهاتها، وقد تختلف المدارس الفكرية في رؤاها، لكن الثقافة الصادقة تظل قادرة على أن تجد طريقها إلى الجميع، لأنها تخاطب الإنسان قبل أي شيء آخر.
لهذا، فإن احتفالنا بالعدد المائة ليس احتفالًا برقم، وإنما احتفاء بفكرة آمنا بها منذ البداية، وما زلنا نؤمن بها حتى اليوم: أن الثقافة قادرة على أن تصنع وطنًا عربيًا أرحب من كل الحدود، وأن الكلمة الحرة ستظل أقوى من كل محاولات العزل والانقسام.
#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Leave a Reply