عبد المنعم مختار
حين تشتعل الـح.روب، تميل الصحافة إلى ملاحقة أخبار دوي المدافع وانفجار القنابل وقذائف الصواريخ والدانات وقصف الطائرات وأخبار الدمار والموت، بينما تتراجع الثقافة إلى الهامش. لكن “ملف الهدف الثقافي” اختار منذ انطلاقته في أوائل أغسطس 2024 طريقًا آخر؛ أن يكون شاهدًا على الحياة لا على الخراب، وأن يحرس ذاكرة السودانيين بالكلمة والصورة واللوحة وفن الدراما والمسرح وأبيات الشعر والألحان، حتى بلغ بالأمس محطته التاسعة والتسعين، وهو يستعد اليوم لإصدار عدده المائة.
لم يكن الملف مجرد ملحق أسبوعي، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، راهن على أن الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل أحد شروط النجاة. لذلك ظل حاضرًا كل أسبوع، دون انقطاع، مقدمًا للقارئ مادة متنوعة جمعت بين الفكر والأدب والفنون والتوثيق، في تجربة أثبتت أن الكلمة قادرة على الصمود مثلما يصمد الثوار أصحاب المبادئ.
وخلال هذه المسيرة، فتح الملف أبوابه لعشرات الحوارات مع رموز الفكر والإبداع، فاستضاف أدباء وشعراء وروائيين ونقادًا وتشكيليين وموسيقيين ومسرحيين وسينمائيين وناشرين، من السودان والعالم العربي وإفريقيا. ومن بين أبرز ضيوفه: بابكر صديق، قاسم أبو زيد، يوسف الموصلي، بشرى الفاضل، الفاتح حسين، إحسان الله عثمان، علي الزين، ممدوح أبارو، د. عبد العظيم أكول، مصطفى سيد مبارك، منى عبد الرحيم، ناصر يوسف، عز الدين كوجاك، محمد أنور (كوجاك)، عوض مشاوي، زيادة النور، ياسر الحجير، فاطمة السنوسي، منى عبد الرحيم، وعبد المنعم العوض، إلى جانب أصوات عربية وإفريقية مثل الكاتبة الجزائرية سهيلة بورزق، والأستاذ زكريا نمر، والشاعرة الجنوب سودانية نيالاو آيول. وقد تحولت هذه الحوارات إلى وثائق معرفية ناقشت الـح.رب، والمنفى، والهوية، والسلام، ومستقبل الثقافة، وعلاقة الإبداع بالتحولات الكبرى.
ولم يكتفِ الملف بالحوار، بل أنجز استطلاعات ميدانية تناولت أسئلة الثقافة الملحة، مثل مستقبل المسرح السوداني في زمن الـح.رب، وهل يستطيع الشعر إنقاذ ما تبقى من الوطن، وغيرها من القضايا التي شارك فيها كبار المبدعين، لتصبح منابر حقيقية لتعدد الآراء.
كما أولى الملف الفن التشكيلي عناية خاصة، فكانت لوحاته نافذة بصرية موازية للنصوص، مقدّمًا أعمالًا لفنانين كبار وشباب، من بابكر صديق، وأحمد النحاس، وجلال يوسف، وسوزان إبراهيم، وإبراهيم الحسون، حسين جمعان، ومعتز الإمام، ومحمد أنور كوجاك، وهيا كعابنة، وجاذبية سري، وغيرهم من التشكيليين، مؤكدًا أن اللوحة ليست زينة للصفحة، بل نص بصري يروي ما تعجز الكلمات عن قوله.
وأفرد الملف أعدادًا خاصة ومحاور متخصصة احتفت بمحمد المكي إبراهيم، وهاشم صديق، ومصطفى سيد أحمد، ومحمد مفتاح الفيتوري، والطيب صالح، وحميد، ووردي، ومعاوية الشفيع، وياسر عوض، والثورات الوطنية، والاستقلال، ويوم المرأة العالمي، والثقافة الإرترية، وأدب المقاومة، إلى جانب ملفات نوعية تناولت الموسيقى، والدراما، والرواية، والشعر، والفنون البصرية.
ومن أبرز ما ميّز التجربة ثبات افتتاحية الملف، التي أصبحت بوصلة فكرية أسبوعية، تواكب الأحداث وتقرأ المشهد الثقافي والسياسي بلغة رصينة، دون أن تتخلى عن رسالتها في الدفاع عن قيم الحرية والجمال والمعرفة.
كما احتضن الملف أقلامًا من مختلف الأجيال؛ فجاور الروادُ الشبابَ، والتقت تجارب النساء بالرجال، وامتزجت الأصوات السودانية بأقلام عربية وإفريقية، في فسيفساء ثقافية نادرة، شملت الشعر والقصة والرواية والمقال والدراسة والترجمة والنقد والسينما والمسرح والموسيقى والفنون التشكيلية.. إلخ.
ولم تكن علاقة الملف بقرائه علاقة نشر وتلقٍّ فحسب، بل علاقة شراكة حقيقية. فقد واكب القراء كل عدد بالاحتفاء والنقاش وإعادة النشر، وتحولت موضوعاته إلى مساحة للحوار، وأسهمت ملاحظاتهم وآراؤهم في تطوير التجربة، حتى غدا الملف بيتًا مفتوحًا للمبدعين والقراء معًا.
تسعة وتسعون عددًا ليست مجرد رقم. إنها تسعة وتسعون أسبوعًا من الإيمان بأن الثقافة تستطيع أن تقاوم، وأن تحفظ ذاكرة وطن يواجه واحدة من أصعب محنه. وإذا كان العدد المائة يمثل محطة للاحتفاء، فإن القيمة الحقيقية لهذه التجربة تكمن في أنها أثبتت، بالفعل لا بالشعار، أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تنتصر على ضجيج الـح.رب، وأن الثقافة، مهما ضاقت الأزمنة، تظل آخر حصون الأمل.
#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Leave a Reply