زين العابدين الطيب عثمان
كثيرًا ما يُنظر إلى كرة القدم على أنها مجرد لعبة، وأن ما يدور في المدرجات لا يتجاوز حدود التشجيع والانتصار والهزيمة. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، فالرياضة في أرقى صورها مدرسة للأخلاق، ومنصة للحوار، وجسر تتواصل عبره الشعوب نحو المعرفة والاحترام وقبول الآخر.
ولعل أجمل ما في كرة القدم ليس ما يحدث خلال التسعين دقيقة، سواء في ملعب نيوجيرسي أو غيره، وإنما ما يحدث بعدها؛ عندما تنتهي المنافسة، وتسقط الحواجز، ويعود الجميع إلى إنسانيتهم المشتركة. هناك يبدأ الحوار الحقيقي… حوار ما بعد المدرجات.
في ساحة تايمز سكوير، أشهر ميادين مانهاتن بمدينة نيويورك، وبعد واحدة من أكثر المباريات إثارة، عشت مشهدًا إنسانيًا سيبقى عالقًا في الذاكرة.
خرجت الجماهير الأرجنتينية إلى الساحة وهي تحمل أعلام بلادها بالحماس ذاته الذي دخلت به المباراة. لم أرَ وجوهًا منكسة، ولا مشاعر غضب أو كراهية تجاه المنافس، بل رأيت اعتزازًا بالمنتخب وإيمانًا بأن الأداء المشرف لا تقل قيمته عن النتيجة. كثيرون رفضوا وصف ما حدث بالهزيمة، معتبرين أن منتخبهم قدم عرضًا يستحق الاحترام والتقدير.
أما المشهد الأكثر تأثيرًا، فكان اختلاط الجماهير الإسبانية والأرجنتينية في مجموعات واحدة. كانوا يسيرون معًا، ويتبادلون الأحاديث والابتسامات، وترتفع أعلام البلدين جنبًا إلى جنب، وكأن المباراة كانت مناسبة للتعارف لا للخصومة.
كان الجميع يرقص ويغني ويحتفل. وللحظة لم يعد بالإمكان التمييز بين المنتصر والمهزوم. بدا وكأن الفائز الحقيقي هو الإنسان، وأن كرة القدم أدت رسالتها كاملة، فجمعت القلوب بعد أن تنافست الأقدام.
وأنا أتأمل ذلك المشهد، عادت إلى ذاكرتي سنوات طويلة من المنافسات الرياضية في السودان، والهتافات التي كانت تهز المدرجات مثل: “شعلة المنار لن تنهار”، و“الهلال هلا”، و“بالطول والعرض سوداننا يهز الأرض”. شعارات صنعت ذاكرة أجيال، وأكدت أن الانتماء الرياضي يمكن أن يكون مصدر فرح وفخر ما دام بعيدًا عن التعصب والخصومة.
لكن السؤال الذي ظل يرافقني وأنا أغادر الساحة كان أكبر من كرة القدم نفسها:
لماذا ننجح في قبول الاختلاف داخل الملاعب، ونعجز أحيانًا عن قبوله في حياتنا العامة؟
إذا كانت جماهير جاءت من قارات مختلفة، ولغات متعددة، وثقافات متباينة، استطاعت أن تختلف في التشجيع ثم تجتمع في الاحتفال، فلماذا نعجز نحن عن ذلك رغم أننا أبناء وطن واحد؟
إن السودان، وهو يمر بواحدة من أصعب مراحله التاريخية، أحوج ما يكون إلى استلهام هذه الدروس. فالـح.روب لا تنتهي بمجرد غلبة طرف على آخر، وإنما تنتهي عندما ينتصر الإنسان على الكراهية، ويؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن التنوع مصدر قوة لا سببًا للصراع.
لقد علمتني تلك الأمسية في مانهاتن أن التسامح ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل سلوك يومي. وأن احترام المنافس لا ينتقص من حبنا لفريقنا، كما أن احترام الآخر لا ينتقص من انتمائنا لوطننا.
وربما كانت الرياضة تبعث إلينا برسالة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: صافرة النهاية لا تعلن انتصار فريق فقط، بل تفتح أيضًا بابًا جديدًا للتصافح والتقارب وبناء جسور الثقة.
ويبقى السؤال الذي أرجو أن نتأمله جميعًا:
إذا كانت كرة القدم قد نجحت في أن تجمع بين شعوب العالم بعد المنافسة، فمتى ينجح السودانيون في أن يجعلوا من اختلافاتهم بداية للحوار لا سببًا للـح.رب؟
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المنتصرين، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من المتسامحين. فالأوطان لا تبنيها الانتصارات المؤقتة، وإنما يبنيها العدل والاحترام المتبادل والإيمان بأن الجميع شركاء في وطن واحد وهدف واحد ومستقبل واحد.
فالسودان لا يوحده انتصار طرف على آخر، وإنما يوحده انتصار الجميع للوطن. وحين نؤمن بأن اختلافنا مصدر ثراء لا سبب للصراع، وأن الحوار أقوى من السلاح، والتسامح أعمق أثرًا من الكراهية، سنضع أولى لبنات الوطن الذي نحلم به جميعًا… وطنٍ يسع الجميع.
#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Leave a Reply