بقلم: مازن محمود الصديق
منذ اندلاع ح.رب الإخوان المتأسلمين في 15 أبريل، لم تسقط العاصمة والولايات (المدن) وحدها، بل سقطت معها أوهام كثيرة. فقد انكشفت هشاشة المؤسسات، وتعرت شعارات الدولة التي كانت تتحدث عن الكرامة أمام واقعٍ مؤلم، بينما برز الوجه الحقيقي للسودان من حيث لم يكن أحد يتوقع؛ من الأحياء الشعبية، ومن أيدي الشباب، ومن عرق المتطوعين، ومن جيوب المغتربين، ومن أصحاب المهن البسيطة، الذين حملوا الوطن حين عجزت عنه مؤسساته.
وفي الوقت الذي كانت فيه البنادق تتنافس على رسم الخراب، كان آلاف المتطوعين يتنافسون على إنقاذ الحياة. كانوا يقتسمون لقمة العيش مع النازحين، ويقيمون التكايا، ويوفرون الدواء، ويؤسسون مراكز الإيواء، ويصنعون من التضامن الشعبي دولةً مصغرة تقوم على الرحمة والكرامة والمسؤولية.
هؤلاء لم ينتظروا قرارًا رسميًا، ولم يبحثوا عن منصب، أو مكسب، أو كاميرات. لقد أدركوا أن الوطن لا يُحمى بالشعارات، بل بالأفعال، وأن قيمة الإنسان تُقاس بما يقدمه للناس في ساعة الشدة.
ولو كان الإنصاف حاضرًا، لكانت صور هؤلاء المتطوعين تملأ الشوارع، ولتصدرت قصصهم نشرات الأخبار، ولتحولت أسماؤهم إلى جزء من الذاكرة الوطنية. فهم لم يدافعوا عن سلطة، بل دافعوا عن الإنسان السوداني، وهذا هو أشرف أشكال الانتماء.
لقد أثبتت هذه الح.رب حقيقةً لا يمكن تجاهلها، وهي أن قوة السودان ليست في السلاح، بل في شعبه؛ ليست في أصحاب المناصب، بل في أولئك الذين حملوا الوطن على أكتافهم عندما كادت مؤسساته تتداعى.
قد تهدم الح.رب المباني، وقد تمزق الجغرافيا، لكنها تعجز عن هزيمة شعب يعرف كيف يحول الألم إلى تضامن، والجوع إلى عطاء، والخوف إلى شجاعة.
ولهذا، فإن مستقبل السودان لن يكتبه تجار الح.روب، بل سيكتبه المتطوعون الذين حافظوا على ما تبقى من إنسانية هذا الوطن، وأثبتوا أن الشعوب الحية قادرة على النهوض مهما طال الخراب، وأن السودان الذي أنجب هؤلاء لن يموت. فهؤلاء باقون ما بقي الظلم والطغيان، وغدًا سيخرجون من تحت الركام، وعندها لكل حادث حديث.

Leave a Reply