د. نائل اليعقوبابي
جئنا إلى هنا لنعرف أحدنا الآخر
نحن هنا فقط في العبور
فدعونا نمضي الحياة في سلامٍ ومتعةٍ
تعالوا ودعونا نستمتع بها!
إنّ الأرض ليست واسعة
لأولئك الذين يعيشون غاضبين
كم هو جميل أن نحيا
وأن لا نموت أبداً!..
(من أغنية لإحدى قبائل الهنود الحمر).
لم أشعر يوماً إلاّ أن السودان أسرة واحدة، وهي أسرتي التي أحبها وأفتخر بها، وكل محاولات زرع الشقاق في هذه الأسرة لن تنجح، بل ستجعلها أكثر تماسكاً وتحابباً وتآلفاً، بما يؤذن بولادة الوطن السوداني المرتجى، والذي لن يكون فقط فخر أبنائه بل فخر الحضارة والحياة أيضاً.
الأوطان لا تُستبدل، فإن لم يصن وطنك حقوقك الإنسانية، فمن الصعب أن تجدها في مكان آخر مهما قدم لك من خدمات. ينتابك شعور بنقص ما، ببساطة هذا الشعور الداخلي العميق الملازم لك على عفويته وبساطته، بعيداً عن تعريف الوطن بأفقه الدلالي الواسع (الفكري والفلسفي والوجودي): هو الوطن، ولن تحصل على سعادتك النسبية إلا بامتلاكه.
أستغرب جداً من هذه التصرفات والتجاوزات والمناكفات العقيمة، الخارجة عن معناها الصحيح، التي لا تنتج إلاّ الكراهية والتطرف بين مكونات المجتمع. إن التعايش مع جميع المكونات، دون تعصب أو قبلية أو تطرف، هو السبيل الوحيد لبناء مجتمع سليم. كم أتمنى وأحلم أن أستفيق لأرى بيدي بطاقة هوية مكتوب بها اسمي اختزالاً، وجنسيتي وكياني ماضياً وحاضراً ومستقبلاً (سوداني وفقط).
جميلٌ بكل تفاصيله.. فالمثقّف الحقيقي هو من يحمل رسالة وعيٍ إلى أبناء وطنه كافة، متحرراً من قيود المحاصصة والانحياز، يقرأ الواقع بوضوحه القاسي، واقعاً لا يختبئ ولا يضلّل، ولا يخفى على من يتآمر مهما حاول التخفي. النخبة المثقفة التي لا تطرح الأسئلة الكبيرة حول مصير الشعب الذي تنتمي إليه لا تستحق لقب صفوة المجتمع، وتلك النخب التي تسعى لتكون بوقاً للموالاة أو المعارضة لا تملك أهلية القيادة للمجتمع، بل هي دائماً في موقع التبعية، وكثيراً ما تنتهي إلى أن تصب في مجرى أموال السياسة، وتصبح عاجزة عن اجتراح الحلول بل تبقى ذيلاً لممثلي الشجارات السياسية مهما تدنى مستواهم؛ ولنا في أغلب النخب عندنا خير مثال.
يحتاج السودان اليوم إلى أن يتصدر المثقف الحقيقي المشهد السياسي لمحاربة الفساد والولاء الطائفي والقبلي والأيديولوجي، ويتصدى للمحاصصة المقيتة، ويدعو إلى حب الوطن والحفاظ على الهوية السودانية الجامعة. للأسف، ما نشهده هو شكل من أشكال الجهل المتزمت الذي تسلل إلى بنية الثقافة السودانية، لدى بعض من يعتقدون أنهم يمتلكون عمقاً روحياً وثقافياً، بينما يظل تأثيرهم الحقيقي في المشهد الثقافي محدوداً أو معدوماً. كما يلفتني في الجاهلين أنهم لا يقصّرون في ازدراء العلم، ثم تراهم ينتفضون إن أشعرتهم بجهلهم. يقول ابن رشد: “الجهل يؤدي إلى الخوف، والخوف يؤدي إلى الكراهية، والكراهية تؤدي إلى العنف”.. هذه هي المعادلة.
عَزَّ السكوتُ فَلا خوفٌ وَلا جَلَدُ الشَّعبُ مستنفرٌ.. ضَاقَت بِهِ البَلَدُ هَذي الدِّماءُ بِمَا فِيهَا لَهَا حِمَمٌ يَقْتَاتُ مِنْ نَارِهَا جُوعٌ ومعتقدُ
تُنْبِيكُمُ الثَّوْرَةُ الحَمْرَاءُ.. وَيْحَكُمُ!
فِي كُلِّ أرضٍ لَهَا مِنْ نَقْمَةٍ مَدَدُ.
إن إعادة القيمة للإنسان السوداني مفتاح لتحقيق التصالح بينه وبين نفسه، وبينه وبين الآخر (أي آخر)، وبينه وبين الوجود ككل، وهي الأرضية الأساسية لاستقرار حضارة الإنسان في أي زمان ومكان. ونحن في بلدنا الجريح والمنكوب السودان أكثر ما نكون مدعوين لتأكيد هذه القيمة، وإعادة الاعتبار والمعنى الكاملين لإنساننا الذي وجد نفسه هدفاً لكل من هبَّ ودبَّ من جهات الأرض، بل وشعر بأنه هدف لأقرب الأقربين إليه، وبدأ يفقد ثقته بكل شيء وأي شيءٍ.
نعم، هنا مَنْ يسترخص دماء الناس.. ويتاجر بها كما لو أنها ملكه.. يهدرها دون أي وازع من ضمير.. ليروي روحه المتعطشة للدم!
في الجوِّ رائحةُ الدمِ
في البرِّ، في البحرِ المضرَّجِ بالزبدْ
جُنَّ الجنونُ، ومنهُ لن ينجو أحدْ
فتعالَ نبحثْ عن غدٍ
أضغاثِ غدْ
هذي الحياةُ لها يدٌ
للموتِ فينا ألفُ يدْ
ليس كل من قاد ميليشيا يمكن أن يكون رئيس دولة، شتان بين الاثنين؛ الميليشيا قيادة فردية لا شرعية لها، بينما الدولة تستند إلى أنظمة وقوانين. نحن تحيط بنا عناوين كبرى مأجورة لا همّ لها سوى المتاجرة بالشعوب، متسترة خلف أدلجات مارقة لا تعرف الرحمة، ولا ترى في الشعوب سوى أدوات لخدمة مصالحها ومصالح الدول الإمبريالية، ولا ينجو من هذا المستنقع إلاّ من كان صاحب ضمير حي.
نبحث عن خبز اللعنةِ نكسبه في ليل العهرْ، هم قتلوا الطيبة فينا، وأذلونا باسم الواقع ذموا الدهرْ، سرقوا منا فرح العمرْ، صار الخائن من لا يركعُ والماجد مشقوق الظّهرْ، الساحات مناكحنا والموعد عز الظهرْ!.
ليتَ الحروبَ كانت حفل موسيقى، والجنودُ موسيقيين، والأسلحةُ آلاتٍ تعزفُ معاً لحن الجمال بدل لحن الموت. ليتَ الحياةَ كانت فنًّا لأصبحَ السلامُ لغة هذا الوطن. ما زالت الأرض تهتز من هول ما مرّ عليها وأنفاس المظلومين تحتها.. وكلما رأت نكراناً وصوتاً مزيفاً للحقائق.. تخرج خبئها لتقول: ها هنا جرح قديم تعمى عنه عين الأمم وأهل اللؤم والفتن.. ها هنا جرح عميق مستحق.. وكلما ضغط عليه ينزف وبطوفان ينذر.. وأهل هؤلاء ليسوا بضعفاء ولا دماؤهم رخيصة عليهم.. ولكنهم أغلوا الوطن وأهله فرخصهم. مسكينةٌ هذهِ الأرض، نركبُ ظهرها ونشرَبُ من بطنها ونبولُ على وجهِها ونمضي!.
حالنا صعب جداً، ولكنها ليست النهاية، بل لعلها إرهاصات بداية. الحرية فضاء نسبي، يحدده وعينا وإرادتنا وطبيعة الظروف التي نعيش فيها. ستختلف حريتنا بالتأكيد بين مكان وآخر وزمان وآخر.
أحملُ في يدي غصنَ زيتونٍ
وأمضي به…
إلى بائعةِ زهورِ الحرية
حيثُ تتفتّحُ المعاني
سلامًا لا يذبل.
إن الشعوب العظيمة هي التي أدركت أن الحرية سبيلها لبناء أوطان قوية مزدهرة، فهي وحدها التي تعرف كيف تصون أوطانها وتحافظ عليها وتنهض بها إلى علياء المجد. للأسف الشديد، تغيّر كل شيء وتبدّلت الأحوال، فقد بدأت الحياة تأخذ منحى يختلف عمّا كانت عليه في السابق، كان المجتمع السوداني فيما مضى يصنع المعجزات من أجل بناء الحياة، ومن أجل أن يبعثها من جديد.
الخطوة الأولى دائماً هي الأصعب.. وخاصة عندما ترتبط بمراجعة ما اعتدنا عليه، ما اعتدنا عليه طويلاً، وما اعتاد عليه آباؤنا وأجدادنا قبلنا، هل ترانا سنمتلك ككل الشعوب التي نهضت، قوة أن نخطو هذه الخطوة الأولى، لننقذ أنفسنا من كثبان رمال التاريخ المتحركة، ونقف على أرض الحقائق الصلبة.
اللهم احفظ السودان وأهله، وادفع عنه كل بلاء وسوء، واحمِ شعبه الطيب وبلاده من سيول الح.روب الجارفة ومن كل شر، واجعله آمناً مطمئناً يا رب.
#السودان #وطن #تعايش #ثقافة #إنسانية #فكر #حرية #سلام #نقد_سياسي #هوية_سودانية

Leave a Reply