هاشم كرار
كان معلماً، أديباً، وحكيماً، وخلوقاً، وصاحب قفشة عابرة.. ولكن ليست تلك هي القصة.
كان مع اثنين – عبد الحليم سر الختم وبابكر صديق – يديرون برنامجاً معنياً بالأدب في تلفزيون الجزيرة، إحدى ولايات السودان المتاخمة للخرطوم العاصمة. كان هذا البرنامج – “في محراب الآداب والفنون” – يُبث في ذات الوقت في التلفزيون القومي، ويحقق في كل مرة نسبة مشاهدة عالية جداً.. وكان من متابعيه الرئيس النميري شخصياً. وفي إحدى زيارات النميري لمدينة مدني، التي يُبث منها البرنامج، طلب من حاكم الإقليم – عبد الرحيم محمود – أن يرتب له لقاء مع هذا المعلم الأديب الخلوق.
في اللقاء، طلب منه الرئيس النميري أن يحقق أشعار شاعر سوداني ضخم اسمه “ود البنا”، ويجمع أشعاره في ديوان، وسيتكفل النميري بالطباعة والنشر. ثلاثة أشهر، وكان ذلك المعلم الأديب وراء أشعار ود البنا، من قرية لقرية، ومن مدينة لمدينة، محققاً وضابطاً.. وكان في كل مرة يزور فيها الرئيس النميري مدينة مدني، يطلب لقاء الأستاذ ليتعرف أين وصل التحقيق في الأشعار، وأين وصل الضبط.
في واحدة من المرات – وفي نهاية اللقاء – أخرج النميري ظرفاً كبيراً، يبدو أنه كان ممتلئاً بالدولارات، ومده للأستاذ.
-
“دا شنو يا ريس؟”
-
“هذه مصروفات لتنقلاتك يا أستاذ!”
ضحك الأستاذ قبل أن يقول: “ما أقوم به هو أحد الأعمال الممتعة جداً في حياتي.. وما أصرفه لا يساوي شيئاً لآخذ مقابله من السيد رئيس الجمهورية. شكراً يا ريس!”
النميري – فيما يبدو – اندهش كثيراً.. ولعله لم يألف مثل هذا التصرف من الذين يحيطون به. تراجعت يده الممدودة بالظرف “الشحمان”. ابتسم وهو يقول للأستاذ: “عموماً.. متى ما احتجت لي في أي طلب، فستجدني حاضراً جداً!”
ودعه الأستاذ وخرج من مقر إقامة الرئيس.. وبعد خمس دقائق عاد ليقول للرئيس: “يا ريس، الآن أنا أحتاج إليك!” أخذ النميري الظرف وهو يخطو باتجاه الأستاذ ويبتسم.
-
“لا لا يا ريس. لو سمحت ضع الظرف جانباً.. إنني في الحقيقة أحتاج إلى (دفْرة).. سيارتي بطاريتها نازلة!”
و… كفكف النميري، وراح “يدفر” (يدفع) مع أحد حراسه سيارة الأستاذ.. دارت بعد مسافة السيارة التعبانة.. وأخرج الأستاذ يده يلوّح للنميري.. والنميري – نفسه قائم – في حالة دهشة للمرة الثانية!
أكمل الأستاذ الديوان.. وسلمه للنميري في القصر الجمهوري قبل شهرين من انتفاضة مارس أبريل. طبع النميري الديوان في القاهرة فيما كان في المنفى الإجباري. توفي الأستاذ بعد ذلك بعدة سنوات.
أيها الناس: ترحموا عليه وأنتم تقرأون هذا المقال. أيها الناس: ذلك الأستاذ، هو شقيقي الراحل الأستاذ طه كرار.
#السودان #أدب #ذاكرة #شخصيات_سودانية #نزاهة #النميري #طه_كرار #قصص_واقعية #أدب_سوداني #قيم

Leave a Reply