من الجلوس إلى التشاور… كيف تكشف أسماء المؤسسات عن فلسفة السلطة؟

صحيفة الهدف

أحمد باتشينو

ليست أسماء المؤسسات السياسية والإدارية مجرد تسميات اصطلاحية، بل هي مرايا تعكس الطريقة التي تتصور بها المجتمعات السلطة وصناعة القرار. فالكلمات، قبل أن تصبح عناوين على المباني والوثائق، كانت تحمل رؤى كاملة عن الإنسان وعلاقته بالجماعة والتاريخ.

تتجلى هذه الفكرة بوضوح عند المقارنة بين كلمة “مجلس” العربية وكلمة Concilium اللاتينية، التي اشتقت منها مفردات مثل Council. ورغم أنهما تُترجمان اليوم إلى المعنى نفسه تقريباً، فإنهما تنطلقان من تصورين مختلفين للفعل السياسي. فـ”المجلس” مشتق من الفعل “جلس”، أي من واقعة مادية محددة في الزمان والمكان. إنه يشير، في أصله، إلى موضع الجلوس أو هيئة المجتمعين، قبل أن يتطور لاحقاً ليصبح اسماً لمؤسسة سياسية. أما Concilium فلا تصف مكان الاجتماع، بل تحيل منذ البداية إلى فعل التشاور والتداول؛ أي إلى عملية اجتماعية مستمرة تتجاوز مجرد حضور الأشخاص في مكان واحد.

ومن هنا يبرز الفرق بين ما يمكن تسميته بالفعل الأداتي والفعل الفضائي. فالجلوس واقعة يمكن أن تحدث دون أن تنتج قراراً أو معرفة، بينما التشاور فعل لا يتحقق إلا داخل شبكة من العلاقات والتفاعلات الإنسانية التي تصنع المعنى الجماعي.

هذا المنظور يفتح باباً جديداً لفهم السياسة والاقتصاد والمجتمع. فالوقائع الجزئية ليست سوى حلقات داخل أفعال أكبر وأكثر امتداداً. فالتسليم والتسلّم في الاقتصاد وقائع منفصلة، أما التبادل فهو فضاء كامل من الثقة والتوقع والالتزام. وكذلك التصويت ليس هو الديمقراطية، والجلوس حول طاولة واحدة ليس اتفاقاً، والقرار لا يساوي بالضرورة تحولاً تاريخياً.

ومن هذا الفهم يبرز مفهوم جدير بالتأمل، هو “الانشداد نحو الحالة المقبلة”؛ أي مقدار التوجه الذي يحرك الأفراد والمؤسسات نحو إمكان لم يتحقق بعد. فالعلوم تقيس الزمن والمسافة والسرعة، لكنها نادراً ما تقيس قوة التوجه نحو المستقبل، مع أنها القوة التي تصنع التاريخ وتمنح الأفعال معناها الحقيقي.

بهذا المعنى، لا يعود العالم مجموعة أشياء ثابتة أو أحداث منفصلة، بل فضاءات متحركة تتولد داخلها الوقائع كما تتولد الخطوات داخل المشي، والجلسات داخل الاجتماع، والقرارات داخل مسيرة الأمم. ولعل السؤال الأهم لم يعد: ماذا حدث؟ بل: إلى أي فعلٍ أكبر تنتمي هذه الواقعة؟ وما مقدار الانشداد الذي يدفعها نحو مستقبل لم يولد بعد؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.