سرُّ المرأة العجوز

صحيفة الهدف

د. أسماء التوم
لم تبدأ الحرب بإعلان، ولا بصفارات إنذار.
بدأت بصوتٍ بعيدٍ حسبناه تدريبًا عسكريًا، ثم اقترب حتى صار يهزُّ النوافذ، ويوقظ الخوف الكامن في أعماقنا.
كان صباح إجازة. بعد صلاة الفجر عاد الجميع إلى النوم، أما أنا فظللت أحدّق في شاشة الهاتف، أبحث عن تفسير لذلك الهدير الذي كان يكبر دقيقة بعد أخرى. اتصلت بمن أعرف، فجاءني صوت مرتبك:
“إنها الحرب.”
كانت كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لتغيّر شكل العالم.
في ذلك اليوم، ضحك أهلي حين اقترحت الرحيل، وقالوا إن الأمر لن يطول. غير أن الرصاص كان أسرع من ضحكاتهم، والقذائف كانت أكثر إقناعًا من كل محاولات الطمأنة.
انقطعت الكهرباء، شحّ الطعام، وأصبح الليل كتلةً من الظلام تتخللها ومضات الانفجارات.
وحين قررنا الهرب، لم نجد وقودًا ولا طريقًا مفتوحًا.
خرجنا سيرًا على الأقدام.
تركنا البيت كما يترك المرء جزءًا من روحه، وحملنا ما خفَّ من الأمتعة وما ثقل من الخوف. كانت المدينة تتداعى من حولنا، والرصاص يرسم فوق رؤوسنا خرائط للموت.
كنا نسير بلا وجهة، حتى انشق الصمت عن صوت امرأة عجوز:
“تعالوا…”
التفتنا، فإذا برأسٍ أشيب يطل من باب منزل بدا مهجورًا.
دخلنا مسرعين.
أغلقت الباب، ثم قالت بهدوء لا يشبه هدير الخارج:
“لا تخافوا… لن يمسكم سوء ما دمتم هنا.”
منذ تلك اللحظة، صار ذلك البيت وطنًا مؤقتًا.
كانت العجوز تعيش وحدها، أو هكذا بدا لنا. لم نسألها عن ماضيها، لأنها كانت تجيب عن الأسئلة بالصمت.
كانت تخرج لنا الطعام في أوقات منتظمة، بينما تخفي جزءًا منه في مكان لا نراه.
وذات مساء، سألتها:
“لماذا تدخرين كل هذا؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:
“لأن الحروب لا تشبع من الزمن… وكل يومٍ أسوأ من الذي قبله.”
بدت كلماتها نبوءة أكثر منها إجابة.
مرت الشهور.
صرنا نجمع الحطب، ونخزن الماء، ونعدّ الأيام بعدد القذائف. وكلما ظننا أن الحرب أوشكت على نهايتها، كانت تعود أشد ضراوة.
ثم جاء اليوم الذي دوّى فيه طرقٌ عنيف على الباب.
همست العجوز:
“اختبئوا.”
دخل الجنود.
سمعنا الضابط يسألها:
“من معك؟”
قالت بثبات:
“لا أحد.”
راحوا يفتشون الغرف. كانت خطواتهم تقترب من مخبئنا، حتى خُيّل إلينا أننا نسمع أنفاسهم.
توقفوا.
ثم قال أحدهم:
“البيت مهجور.”
غادروا كما جاءوا.
خرجنا من مخابئنا مذهولين.
لم نفهم كيف أخطأتنا أعينهم، ولا كيف بدا لهم البيت خاويًا، رغم أننا كنا نملؤه حياةً كل يوم.
أما هي، فلم تبدُ مندهشة.
قالت فقط:
“الحمد لله.”
وحين خفتت الحرب قليلًا، قرر والدي الرحيل.
رجوناها أن ترافقنا.
هزت رأسها مبتسمة:
“لكل إنسان طريقه… اذهبوا أنتم.”
كانت تلك آخر مرة رأيناها.
بعد انتهاء الحرب، عدنا إلى مدينتنا.
وجدنا منزلنا منهوبًا، كما لو أن الحرب لم تترك فيه سوى الجدران.
ثم ذهبنا إلى بيت العجوز.
كان الباب موصدًا، والغبار يعلو كل شيء.
سألنا الجيران عنها.
نظروا إلينا باستغراب، وقال أحدهم:
“أي عجوز؟ هذا المنزل مهجور منذ سنوات.”
لم نناقشهم.
وقفنا طويلًا أمام الباب.
كنا نعرف ما عشناه، ونعرف اليد التي امتدت إلينا في أكثر اللحظات ظلمة، لكننا لم نجد دليلًا واحدًا يثبت أنها كانت هنا.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت الحرب، لم أتذكر صوت المدافع أولًا…
بل أتذكر امرأةً عجوزًا، فتحت بابًا صغيرًا في قلب الخراب، وأغلقت خلفنا باب الموت.
ولا يزال سرها، حتى اليوم، عصيًّا على التفسير.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.