المحرر الاقتصادي
لم تعد كلفة المعيشة في العاصمة المثلثة تُقاس بارتفاع الأسعار وحده، وإنما باتت تُقاس بمدى قدرة الأسرة على الاستمرار في الحياة. فالمشكلة لم تعد أن السلع أصبحت أغلى، بل أن الدخل فقد قدرته على ملاحقة أبسط الاحتياجات، حتى أصبح المواطن يعيش في معادلة قاسية: دخل يتآكل يوماً بعد يوم، وأسعار لا تعرف الاستقرار.
لقد أنتجت الحرب اقتصاداً مختلفاً، لا تحكمه قواعد السوق الطبيعية، بل تحكمه الندرة، وتعطل الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف الرقابة، واضطراب سلاسل الإمداد. وأصبح المواطن يدفع ثمن الحرب مرات عديدة؛ مرة عند شراء الغذاء، ومرة عند الحصول على الدواء، ومرة عند البحث عن المياه أو الكهرباء، ومرة أخرى عند انتقاله من مكان إلى آخر.
والأخطر أن الأسرة السودانية لم تعد تنفق معظم دخلها لتحسين مستوى معيشتها، بل لتأمين الحد الأدنى من البقاء. وعندما يتحول الإنفاق من الاستثمار في التعليم والصحة والادخار إلى مجرد شراء الضروريات، فإن المجتمع كله يدخل في دائرة من الفقر المستمر.
إن ارتفاع كلفة المعيشة ليس رقماً اقتصادياً، بل مؤشر على تراجع جودة الحياة، واتساع الفجوة بين احتياجات الإنسان وقدرته على تلبيتها، وهو ما يجعل تحسين المستوى المعيشي شرطاً أساسياً لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي.

Leave a Reply