ما وراء أسعار الأسواق: كيف يعيش المواطن السوداني في زمن الحرب؟

صحيفة الهدف

رصد: المحرر الاقتصادي
لم تعد الأسواق في الخرطوم تعكس حركة البيع والشراء الطبيعية، وإنما أصبحت مرآة صادقة للأزمة الاقتصادية التي خلّفتها الحرب. فالأسعار لم تعد مجرد أرقام تتغير من يوم إلى آخر، بل أصبحت مؤشراً على التحول العميق الذي أصاب الاقتصاد السوداني، حيث انتقل المواطن من التفكير في تحسين مستوى معيشته إلى محاولة تأمين الحد الأدنى من البقاء.
فالاقتصاد في الظروف الطبيعية يُقاس بمعدلات الإنتاج والاستثمار والدخل، أما في اقتصاد الحرب فيُقاس بعدد الوجبات التي تستطيع الأسرة توفيرها، وبقدرتها على شراء الدواء قبل الغذاء، وعلى توفير الخبز قبل التفكير في بقية الاحتياجات.
ولهذا فإن قراءة أسعار الأسواق اليوم ليست قراءة تجارية، وإنما قراءة في مستوى الحياة ذاته.
الخبز… أول مؤشر على الأزمة: ظل الخبز عبر التاريخ السوداني أحد أهم مؤشرات الاستقرار الاقتصادي. واليوم يبلغ سعر ثلاث رغيفات نحو ألف جنيه، وهو رقم يبدو بسيطاً إذا نظر إليه منفرداً، لكنه يتحول إلى عبء كبير عندما تحتاج الأسرة إلى عشرات الأرغفة يومياً. فالخبز لم يعد غذاءً فقط، بل أصبح أحد أكبر بنود الإنفاق اليومي.
البروتين… يتحول إلى سلعة نادرة: تكشف الأسعار الحالية أن البروتين الحيواني أصبح بعيداً عن متناول كثير من الأسر.
فقد بلغ:
• كيلو اللحم الصافي 42 ألف جنيه.
• الضأن 45 ألف جنيه.
• الكبدة 48 ألف جنيه.
• صدور الدجاج حتى 40 ألف جنيه.
• الدجاج الكامل 23 ألف جنيه.
بل إن البيضة الواحدة تباع بحوالي 1200 جنيه.
وهذا يعني أن الأسرة ذات الدخل المحدود أصبحت عاجزة عن توفير الغذاء المتوازن بصورة منتظمة، وهو ما يهدد بظهور آثار صحية وغذائية طويلة المدى، خاصة لدى الأطفال. ولذلك لم يعد السؤال: ماذا نأكل؟ بل أصبح: كم مرة نستطيع أن نأكل غذاءً متكاملاً خلال الأسبوع؟
البقوليات… الملاذ الأخير: مع ارتفاع أسعار اللحوم، اتجهت كثير من الأسر إلى العدس والفاصوليا باعتبارهما البديل الأقل تكلفة. لكن حتى هذه البدائل بدأت ترتفع أسعارها.
• العدس 7000 جنيه للكيلو.
• الفاصوليا 10000 جنيه.
• الأرز 7000 جنيه.
• المكرونة 7000 جنيه.
وهذا يكشف أن التضخم لم يعد يقتصر على السلع الكمالية، بل امتد إلى أساسيات الغذاء.
الخضروات… الغلاء يطال الغذاء اليومي: حتى الخضروات، التي كانت تاريخياً الأكثر توافراً، لم تسلم من موجة الغلاء.
فالطماطم بلغت 8000 جنيه للكيلوغرام.
والبطاطس 6000 جنيه.
والبامية 8000 جنيه.
والفلفل 8000 جنيه.
أما الليمون فأربع حبات فقط بألف جنيه. وهي أسعار تجعل الغذاء اليومي عبئاً متزايداً على الأسر.
منتجات الألبان… الغذاء الذي يبتعد: تشير الأسعار إلى أن منتجات الألبان أصبحت من أكثر السلع ارتفاعاً.فقد بلغ:
• كيلو اللبن 32 ألف جنيه.
• اللبن المجفف 36 ألف جنيه.
• الجبن الأبيض حتى 22 ألف جنيه.
• الجبن المضفر 34 ألف جنيه.
ومعروف أن هذه المنتجات تمثل مصدراً أساسياً لتغذية الأطفال، ما يجعل ارتفاع أسعارها قضية صحية، لا اقتصادية فقط.
الفاكهة… من الغذاء إلى الرفاهية: تكشف قائمة الأسعار تحول الفاكهة إلى سلعة شبه كمالية.
فالمانجو الصغيرة الواحدة 2000 جنيه.
والتفاحة الصغيرة 2000 جنيه.
والبرتقال حتى 12 ألف جنيه للدستة.
أما العنب فيصل إلى 7000 جنيه للصندوق الصغير.
وبذلك أصبحت الفاكهة، بالنسبة لكثير من الأسر، ضيفاً نادراً على المائدة.
تضخم بلا دخول: تكمن المشكلة الأكبر في أن هذه الزيادات لا يقابلها ارتفاع مماثل في دخول المواطنين. فغالبية العاملين في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن أصحاب الأعمال الصغيرة والعاطلين عن العمل، لم تشهد دخولهم أي تحسن يوازي هذا الارتفاع. وهكذا تتسع الفجوة بين الدخل وكلفة المعيشة يوماً بعد يوم. وهي أخطر صور التضخم.
اقتصاد الحرب : هذه الأسعار لا يمكن فهمها بمعزل عن آثار الحرب. فالحرب أدت إلى:
• تعطيل الإنتاج الزراعي والصناعي.
• ارتفاع تكاليف النقل.
• تراجع الاستيراد.
• اضطراب سلاسل الإمداد.
• انخفاض قيمة العملة.
• زيادة تكاليف التشغيل.
ولذلك فإن السوق الحالية لا تعمل وفق قوانين العرض والطلب الطبيعية، وإنما وفق اقتصاد الندرة وعدم اليقين.
ماذا تعني هذه الأسعار؟: اقتصادياً، تكشف هذه القائمة عدة مؤشرات مقلقة:
• انتقال جزء كبير من السكان إلى ما يعرف باقتصاد البقاء.
• تراجع استهلاك البروتين والمواد الغذائية عالية القيمة.
• زيادة اعتماد الأسر على أقل السلع تكلفة.
• اتساع دائرة الفقر الغذائي.
• تراجع القدرة الشرائية بصورة مستمرة.
أما اجتماعياً، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بزيادة سوء التغذية، وارتفاع معدلات التسرب المدرسي نتيجة الضغوط الاقتصادية، واتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية.
خاتمة: أخطر ما تكشفه هذه الأسعار ليس أنها مرتفعة، وإنما أنها تعكس واقعاً اقتصادياً أصبح فيه الحصول على الغذاء نفسه تحدياً يومياً. فالمواطن السوداني لم يعد يخطط لتحسين مستوى معيشته، بل أصبح يحاول فقط المحافظة على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
ولهذا فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات نقدية أو رقابية محدودة، لأن جذور المشكلة أعمق من ذلك بكثير. فهي ترتبط باستمرار الحرب، وتعطل الإنتاج، وانهيار الخدمات، وتراجع مؤسسات الدولة. فكل يوم تستمر فيه الحرب لا يضيف أرقاماً جديدة إلى قوائم الأسعار فحسب، بل يضيف أيضاً آلاف الأسر الجديدة إلى دائرة العجز والفقر والحرمان.
بالتالي استقرار الأسعار لن يتحقق إلا باستقرار الوطن، وعودة الإنتاج، واستعادة مؤسسات الدولة لدورها، لأن السلام ليس قضية سياسية فقط، بل هو أيضاً الشرط الأول لاستعادة الاقتصاد، وحماية لقمة عيش المواطن السوداني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.