ليست المدن مجرد شوارع ومبانٍ يمكن إعادة ترميمها، وإنما منظومات متكاملة للحياة. ولهذا فإن انتهاء أصوات المدافع لا يعني بالضرورة عودة الحياة، كما أن فتح الطرق لا يعني تلقائياً عودة الناس إلى بيوتهم. فالحرب لا تدمر الحجر وحده، بل تعطل الاقتصاد، وتفكك المؤسسات، وتستنزف الثقة، وتحوّل أبسط مقومات الحياة اليومية إلى معركة جديدة يخوضها المواطن كل صباح.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يواجه مئات الآلاف من السودانيين اليوم لم يعد: هل يمكن العودة إلى الخرطوم؟ بل أصبح: هل أصبحت الخرطوم قادرة على استقبال أهلها من جديد؟
فالمدينة التي تعطلت فيها الكهرباء، وشحّت فيها المياه، وتراجعت خدمات الصحة والتعليم، واضطرب فيها الأمن، وارتفعت فيها كلفة المعيشة، لا تستعيد سكانها بمجرد انحسار العمليات العسكرية. فالعودة ليست قراراً عاطفياً، وإنما قرار اقتصادي واجتماعي وإنساني، تحكمه قدرة الإنسان على أن يعيش، ويعمل، ويعالج أبناءه، ويعلمهم، ويحصل على الحد الأدنى من الخدمات التي تجعل الحياة ممكنة.
لقد كشفت الحرب حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الاقتصاد لا يُقاس فقط بأسعار العملات أو حجم الاحتياطي النقدي أو معدلات التضخم، بل يُقاس أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج الحياة اليومية. فحين يعجز المواطن عن الحصول على الماء، أو الكهرباء، أو الدواء، أو التعليم، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت حدود الاقتصاد التقليدي، لتصبح أزمة في وظائف الدولة نفسها.
ولذلك، فإن ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد ركود اقتصادي، بل أزمة هيكلية أصابت البنية الإنتاجية والخدمية معاً. فقد تعطلت الأنشطة الاقتصادية، وتقلصت فرص العمل، وارتفعت تكاليف النقل والإنتاج، واضطربت الأسواق وسلاسل الإمداد، وتآكلت القوة الشرائية للأسر، بينما أصبح ملايين المواطنين يعيشون بين مطرقة انخفاض الدخل وسندان الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
إن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار الذي يمكن إعادة بنائه، بل السنوات التي تُسرق من دورة التنمية. فكل يوم تستمر فيه الحرب لا يضيف خسائر عسكرية فقط، بل يضاعف كلفة إعادة الإعمار، ويؤجل عودة الاستثمار، ويزيد من هجرة الكفاءات، ويعمق دائرة الفقر والاعتماد على المساعدات، ويجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.
ولهذا، فإن إعادة إعمار السودان لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مشروعاً هندسياً لإصلاح المباني والجسور، وإنما مشروعاً وطنياً لإعادة بناء الإنسان، واستعادة الاقتصاد، وإحياء المؤسسات، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة. فالأوطان لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى حين يشعر المواطن أن حياته ومستقبله أصبحا أكثر أمناً وكرامة واستقراراً.
وينطلق هذا الملحق الاقتصادي من هذه الرؤية، محاولاً قراءة الواقع الاقتصادي بعيداً عن الشعارات، إيماناً بأن السلام الحقيقي لا يبدأ عندما تتوقف الحرب فقط، وإنما عندما تصبح العودة إلى الوطن خياراً ممكناً، لا مغامرة محفوفة بالمخاطر. فاستقرار الاقتصاد، وعودة الخدمات، واستعادة الإنتاج، ليست قضايا فنية فحسب، بل هي الشرط الأول لعودة الإنسان نفسه.
وفي هذا السياق، سيتناول الملحق عدداً من الملفات المرتبطة مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، وفي مقدمتها: كلفة المعيشة في الخرطوم، وأزمة الكهرباء والمياه، ومستقبل القطاع الصحي، وعودة التعليم، وسوق العمل، وإعادة الإعمار وتمويلها، وأثر النزوح على الاقتصاد المحلي، والأمن الغذائي، وفرص التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.

Leave a Reply