عباس جمال
منذ صباح الخامس عشر من أبريل، بدأت رحلة لم يتوقعها أحد. رحلة نزوح من مكان إلى آخر، بدأت من الخرطوم بحري، ثم إلى الجزيرة، وبعدها إلى القضارف، وأخيرًا إلى القاهرة. كانت رحلة مليئة بالخوف والتعب وعدم الاستقرار، لكن وسط كل ذلك كان هم أختي الأول والأخير هو تعليم أبنائها.
كانت تخشى أن تضيع عليهم سنة دراسية، خاصة مبارك الذي كان يستعد لامتحانات المرحلة المتوسطة. لكنها لم تستسلم للواقع، وكانت تقول دائمًا إن الظروف مهما كانت صعبة، فلا ينبغي أن تحرم أبناءها من حقهم في التعليم.
عندما أصبحت الخيارات محدودة، اتخذت قرارًا لم يكن سهلًا على أي أم؛ السفر إلى مصر عبر طريق شاق وخطر، فقط حتى يتمكن أبناؤها من مواصلة دراستهم. لم يكن القرار بحثًا عن حياة أفضل، وإنما حفاظًا على مستقبلهم.
بعد وصولها إلى القاهرة بدأت رحلة أخرى. انشغلت بتسجيل أبنائها في المدارس، وبذلت جهدًا كبيرًا حتى يلحقوا بما فاتهم من المناهج. ومع ضيق المعيشة، لم تقف مكتوفة الأيدي، بل عملت في محل للأواني المنزلية لساعات طويلة، ثم تعود إلى المنزل لتجلس مع أبنائها، تراجع معهم دروسهم وتتابع مستواهم يومًا بعد يوم.
كنت أتابعها عن قرب، وكل يوم يزداد احترامي لها. لم تكن تشتكي، ولم تكن تبحث عن الأعذار، بل كانت تؤمن أن التعب اليوم سيصنع مستقبلًا أفضل لأبنائها غدًا.
واليوم جاءت النتيجة التي تستحقها. مبارك واصل مشواره حتى المرحلة الثانوية، ومشتهى انتقلت إلى المرحلة المتوسطة، واليوم تحتفل عدن أيضًا بانتقالها إلى المرحلة المتوسطة. هذه النجاحات لم تأتِ من فراغ، وإنما كانت ثمرة سنوات من الصبر والعمل والتضحية.
وأبارك من القلب لابنة أختي عدن معتز جزيرة، وأسأل الله أن يوفقها ويوفق إخوتها في كل مراحلهم القادمة.
أما أختي، فأقول لها بكل صدق: نحن فخورون بك. لقد أثبتِّ أن الأم القوية تستطيع أن تحمي مستقبل أبنائها حتى في أصعب الظروف، وأن الح.رب قد تُجبر الناس على ترك بيوتهم، لكنها لا تستطيع أن تنتزع منهم الإصرار ولا الأمل.
هذه ليست قصة نجاح عدن وحدها، ولا مبارك أو مشتهى فقط، بل هي قصة أم آمنت بأبنائها، فكان الله معها، وأكرمها بثمرة صبرها.
رحم الله كل من فقدناه، وحفظ الله كل أم سودانية قاومت الظروف من أجل أبنائها. فخلف كل نجاح نراه اليوم، هناك أم حملت همًا، وصبرت، وضحّت، حتى وصل أبناؤها إلى هذا اليوم.
#قصة_نجاح #أم_سودانية #إرادة #تحدي #التعليم_حق #صمود #السودان #نجاح #عدن_معتز_جزيرة

Leave a Reply