مجدي علي
تحتفل الصين هذه الأيام بالذكرى الستين لانطلاق ما عُرف بـ(الثورة الثقافية)، تلك التجربة التي أطلقها ماو تسي تونغ عام 1966 تحت شعارات تطهير المجتمع من الأفكار البرجوازية وحماية الثورة..
غير أن ما بدأ يومها مشروعًا لإعادة صياغة الوعي انتهى إلى واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا وعنفًا وقبحًا في التاريخ الصيني الحديث..
فخلال عقد كامل من الزمان، لم تكن الصين تعيش مجرد وضع سياسي قاتم، بل كانت تنزلق إلى مواجهة مفتوحة مع ذاكرتها. انتشر (الحرس الأحمر) في المدارس والجامعات والشوارع، وتحوّل المعلّمون والمثقّفون إلى أهداف لحملات الإذلال والملاحقة، فيما جرى تفكيك أجزاء واسعة من الإرث الثقافي، إذ دُمّرت المعابد والآثار والكتب والمقتنيات بوصفها امتدادًا لـ”القديمات الأربع”: الثقافة القديمة، والعادات القديمة، والتقاليد القديمة، والأفكار القديمة. وبينما كانت صور ماو وشعاراته تملأ الفضاء العام، كانت طبقات كاملة من الذاكرة الصينية تُعاد كتابتها بالقوة..
بلغت هذه اللحظة حدًّا جعل (الكتاب الأحمر) الصغير يتحوّل إلى نص شبه إلزامي للحياة اليومية. طُبعت منه مليارات النسخ، وأصبح حضور ماو في الصور والشارات جزءًا من العلامات البصرية للولاء والانتماء.
لكن الحكومات اللاحقة لماو في الصين أدركت أن التاريخ لا يخضع بسهولة لمحاولات الإلغاء. وقد انتهت هذه القيادات إلى الاعتراف بشجاعة بأن الثورة الثقافية كانت خطأً تاريخيًا ثقيلًا على الدولة والمجتمع.. وكان ذلك الاعتراف، في جوهره، نقطة انطلاق لمسار مختلف. فالصين الحديثة لم تبلغ مكانتها الاقتصادية والتنموية عبر إنكار الماضي، بل عبر إدراك أن المستقبل لا يُبنى إلا بمواجهة الحقيقة، لا بالهروب منها..
الحالة الصينية تُعدّ تجربة استثنائية ومثالًا يُحتذى، لأنها تكشف حدود القدرة على استيعاب الماضي دون استنفاده بالكامل. فالدولة التي تحتفي بإنجازاتها الكبرى لا شك أنها نجحت في تشخيص أخطاء تجربتها، ولم تبقَ أسيرة لها، بل تجاوزتها عبر مسارها نحو المستقبل، دون أن يكون خيارها تقسيم التاريخ، لأن التاريخ لا يقبل التجزئة بين نجاحات نقية وإخفاقات معزولة، بل يظل نسيجًا واحدًا متداخل الطبقات، يحتاج إلى فهمه والتعامل معه حتى يستقيم الحاضر..
لكن السؤال الذي تثيره التجربة الصينية يتجاوز حدود الصين نفسها: هل تستطيع الدول أن تختار من تاريخها ما تشاء، فتحتفظ بما يوافق روايتها وتُقصي ما يربكها؟
في الحقيقة، لا توجد سلطة تحب التاريخ كاملًا. فالتاريخ بطبيعته مرآة قاسية لا تجامل أحدًا. إنه يحتفظ بالإنجازات كما يحتفظ بالأخطاء، ويخلّد أسماء المنتصرين كما يحفظ أصوات الضحايا. ولذلك تميل الأنظمة السياسية، في كل مكان، إلى إعادة ترتيب الماضي بما يخدم حاجاتها الراهنة، فتمنح بعض صفحاته أضواء الاحتفال، وتدفع صفحات أخرى إلى مناطق الظل..
التجربة السودانية تبدو مثالًا واضحًا على هذا التوتر بين السلطة والذاكرة..
فعلى امتداد عقود، ظل التاريخ الوطني ساحة لإعادة التشكيل السياسي. فالأنظمة العسكرية المتعاقبة كثيرًا ما نظرت إلى نفسها باعتبارها امتدادًا شرعيًا لتجاربها السابقة، حتى حين اختلفت الأسماء والشعارات. وفي المقابل، جرى التعامل مع الثورات الشعبية بوصفها لحظات عابرة أو أقل حضورًا في السرد الرسمي، رغم أنها شكّلت محطات جوهرية في تاريخ البلاد الحديث..
لم يكن الصراع حول السلطة وحدها، بل حول الرواية ذاتها. فكل نظام سعى إلى تثبيت نسخته الخاصة من التاريخ، وإبراز ما يعزّز حضوره، مقابل تهميش ما يذكّر بقدرة المجتمع على رفض سلطته..
وهكذا تبدو الذاكرة الرسمية أقرب إلى ذاكرة انتقائية، تميل إلى الاحتفاء بالدولة والأنظمة أكثر من احتفائها بالمجتمع. فتتراجع في السرد العام لحظات مثل أكتوبر وأبريل وديسمبر وغيرها من اللحظات التي صاغ فيها السودانيون إرادتهم الجمعية، بينما تتقدّم روايات السلطات الدكتاتورية ومؤسساتها ورموزها..
لكن التاريخ، في نهاية الأمر، لا يُختزل في الوثائق الرسمية ولا في الخطاب السياسي. إنه يعيش في الحكايات، وفي الأدب، وفي الصحافة، وفي الذاكرة، وفي كل ما ينجو من محاولات الإخفاء. وما يُقصى اليوم من السرد قد يعود غدًا إلى قلبه.
ومن هنا، تصبح التجربة الصينية أكثر من مجرد حدث تاريخي؛ إنها مرآة لفكرة أوسع: أن الأمم لا تستطيع أن تُدير ذاكرتها كما تُدير سياساتها اليومية. فالماضي، مهما بدا صامتًا، يظل قابلًا للعودة وفرض أسئلته من جديد، إن لم تُحسن قراءته وتدبّر أحداثه..
المشكلة ليست في وجود حقب مظلمة في التاريخ، فهذا أمر مشترك بين كل الأمم، وإنما في محاولة تحويل تلك الحقب إلى روايات مغلقة، أو تزيينها، أو تقديمها كأنها خارج دائرة المساءلة والنقد.. فالتاريخ لا ينسى، حتى حين يُسكَت عنه. والوعي البشري، وإن تأخّر، لا يتوقّف عن إعادة مساءلة الماضي. وما يُدفن في لحظة سياسية قد يُستعاد في لحظة وعي لاحقة، وما يُهمَّش قد يتحوّل إلى مركز الفهم ذاته.
لهذا.. تبدو المصالحة مع التاريخ، بكل تناقضاته، أكثر جدوى من محاولات الفرار منه.. فالأمم لا تُبنى على ذاكرة منتقاة، بل على مواجهة صادقة لماضيها كما هو، دون مساحيق أو تزييف. والصين التي تحتفل اليوم بإنجازاتها الكبرى لم تصل إليها بإنكار أخطاء الثورة الثقافية، بل بوعي إرثها الثقيل وتجاوز آثاره. فالتاريخ لا يُمحى، لكنه يمكن أن يتحوّل من عبءٍ على المستقبل إلى درسٍ لبنائه.

Leave a Reply