ونسة سيلفي

صحيفة الهدف

محمد المرتضى حامد

قاعدين تتكلموا مع نفسكم براكم (Self-talk)؟
صاحبي الظريف يقول إنه منذ مدة أصبح يحدّث نفسه سرًا، ثم انتقلت الحالة إلى العلن وبلغت حد الثرثرة مع نفسه. أضاف أنه لاحظ أن الحالة أكثر ما تنتابه أثناء القيادة، ومؤخرًا بدأ في التعدّي على المقود “الدركسون المسكين” بضربات متتالية، وعضّ السبابة عند “الكدّاري”. ودرءًا للشبهات والقيل والقال في الأمكنة العامة، أصبح يكتفي بـ”تكريج” الأسنان والهمهمة. نصحته أن يستشير طبيبًا نفسيًا، رغم أن بعضهم أولى بالعلاج، فكان رده: بالعكس، السنوات الأخيرة دي الزول الما بيكلم نفسو مفروض يراجع طبيبًا نفسيًا، وعليه فنفسياتي كويسة وزينة وعاجباني. أما التعدّي دا فهو مجرد “ثورة تصحيحية”، ولو تفاقمت سأحسم الوضع مع اللقيمات في 6 ساعات، وبالكتير ستة أيام.
صاحبي هسة ماشي على 6 سنوات، ومع ذلك يدعي أن “الأمور طيبة”..!
قال إنه شاغل روحو بالغناوي، وبعد إصغاء وتمعّن في كلماتها، اكتشف أن “الحالة” بتاعت المونولوج الداخلي دي “حايمه” من زمان على مستوى الغناء وبين معظم الشعراء، فشكّل ذلك تعزية له، وعدّد لي الكثير من النماذج المؤيدة لكلامه، ومنها الحالات التي يصعب معها على شاعر محب إخفاء ما بالدواخل، لا سيما إذا كان مصدر الحالة “الشفيفات” صاحبات الجاذبية النوعية التي تزيد على (Sg1).
وضرب مثلًا بالحوار الداخلي الذي جرى بين أبو قطاطي وقلبه المتيم، فجعل لفؤاده كيانًا منفصلًا عن ذاته وعن “وعيه”، فوضع قلبه أمامه على كرسي استجواب عاطفي.
بالمناسبة، تتجه بعض النظريات الحديثة إلى أن “وعي” الكائنات، ونحن منها، يقع خارجها في “آي كلاود”، يتنزّل على الجسد الذي يعمل كمحطة استقبال لا غير. لذا لا تستغربوا قصص التخاطر، والأمهات وهن يرددن: “قلبي رفّاني”، وحالات الـ (Deja vu)المعروفة، الجاية من قاعدة بيانات حياة سابقة، ولا نستثني الإبداع و”الهضربة”.
المهم، أبو قطاطي قال لقلبه “المتيّم”: “جيت لقيت باب الغرام فاتح دخلت”..
وبالطبع، النتيجة الحتمية حالة عشق تذكرك بمقولة: “المال السايب بيعلّم السرقة”، وسرقة القلوب ليست استثناءً. وباب الغرام الفاتح دا قد يتخذ عدّة أشكال، منها مساعدة “بحب”، أو خدمة “لوجه الله”، وربما نظرة أفقية مع إسبال جزئي للجفنين يشوّش أو يعطل المنظومة الدفاعية، أو ابتسامة مشعّة من الكوكب النضاح بُثّت بزاوية حرجة في ظروف حرجة.
أها، أبو قطاطي في المساءلة الإدارية لقلبه التزم خط اللوم والتقريع، قال ليهو:
ابتديت تعشق يا قلبي وانشغلت!
كنت جاهل، والعشق ظنيتو ساهل،
“وبطلت المذاكرة والدنيا امتحانات”!
يقول صاحبي: من أقسى ما ورد في تلك الأغنية التي حملت التهديد والوعيد للقلب الذي لم يستبن النصح ضحى الغد أو مسا الأمس، حكاية:
“المحاسن أغرتك وأغرقتك،
وكنت قايل العشق ساهل”..
والأقسى من ذلك ظنه بأن “عاصفات المحبة شفوقة”، كأنه لم يقرأ عن التورنيدو الذي يقتلع البيوت من قواعدها.
كنت أنصت إليه في هروبه الكبير من واقعه، وهو يتلهى بسرد الأغنيات عن بلاوي ومآسٍ أعرفها جيدًا، فأمعنت التحديق في قسماته حتى كاد يقول لي ما قاله تشيخوف:
“قد لا أملك انتصارات مدهشة، لكنني أستطيع إدهاشك بهزائم خرجت منها حيًا”..
قال: من أبدع حالات الهذيان الجميل والدونكيشوتية أن تتخيّل المريود وتشرع في مخاطبته حد الوعيد، ولعل أبرز تلك “الحالات” ما ورد في أغنية وردي (غلطة)، والتي أصدر فيها بيانًا لا يقبل المراجعة وفقًا للفقرة 19 وما تلاها:
“لو طلعت القمرة وجيت”
مع إن الغنية سبقت أبولو 11.
أو:
“حلفت برب البيت..
ما بريدك مهما بقيت..
غلطة كانت وتاني أبيت”..
وهي أغنية تلخص مونولوجًا داخليًا متخيلًا جمع الشاهق سماعين ود حد الزين، والحبيبة، والمغفور له ابن الملوح الذي تعلّق بأستار الكعبة وحلف برب البيت، ونيل آرمسترونغ الذي كنا نظن أنه طلع ومشى على سطح القمرة قبل أن يعود لحضن الوطن.
ولكن، وفقًا لعالم روسي من أهل فالنتينا، إن السالفة مجرد خرافة تكساسية، مثلها مثل كثير من الخرافات من نوع: “حنمسح حضارة ستة آلاف سنة الساعة ستة”.
وعليه يكون الـ (Moon Walker)الوحيد هو مايكل جاكسون الأصفهاني.
صديقي لم ينسَ، في معرض حديثه عن الحوارات الذاتية والمتخيلة، علي المسا) الذي قدّم تابلوهات فارهة في قصيدته (غصن الرياض المايد) من خلال ثلاثة شخوص: هو، ومحبوبته، والحب.
أيوا، الحب.
حين جعل منه شخصًا طبيعيًا وكيانًا يتمتع بأهلية (التصرفات) العاطفية، حين قال:
أنا وحبك ترعرعنا ونشأنا ندايد
من زمنًا قبيل أيام قلال وعدايد
لكنه تفوق على نفسه حين أضاف طرفًا رابعًا لحواره الداخلي متمثلًا في (جفاء) المحبوب.
إي والله، الجفا الواحد دا.
وأعفى نفسه والمريود من اللوم، ونسب كل المشكلة لهواه وجفاء ليلاه المتخيلة بقوله:
عانيت في ليالي هواك ظروف وأحايد
مشكلة بين هواي وجفاك وانت محايد
يلعن البعد ويلعن الجفا، زي ما قالت نجوى كرم:
“متوعّد ضمك ضمة كسر فيها ضلوعك”.
ولعل إيجاد الأعذار للمحبوب وغض الطرف عن أغلاطه داخل خط 18 يتبدى في كثير من غناوينا، فقد نسب عوض جبريل صدود المحبوب إلى “الحرس” في رائعة عبد المنعم حسيب:
“كلما سألت عليك صدوني حرّاسك”..
ولعل “الحرّاس” هم من أشار إليهم كابلي بأنهم الحياء والفضيلة والوعي المبكر والعاطفة النبيلة.
يا حليلم.
ولا نستثني من غضّوا الطرف عن تدلّل المريود ونسبوا كل قصور لغيره، فغنّوا:
“العواذل ضلّلوك..”
كما قال الضخم وردي الذي أعلن في مؤتمر صحفي:
“غلطاتك عندنا مغفورة”..
وذلك في خط موازٍ للسر دوليب القائل:
“مسامحك يا حبيبي”..
أما زيدان فقد عمل (Somersault) وقال:
“أغلطوا إنتو يا أحباب نجيكم نحن بالأعذار”..
فتداعت أسهم العاشقين وارتفع مؤشر ناس نازك في النازداك.
كل شيء إلا زعل المحبوب.
كثيرًا ما أبديت إعجابي بالزول البيأشّر شمال ويلف يمين على طريقة رونالدينيو، وباللاعب الذي يحرز الهدف المقصي كما فعل رونالدو مع يوفنتوس، وبمثلما أبدع إبراهيموفيتش وريفالدو في هوائيتيهما المجنونتين.
أها، الناس فاكرين قصة التحدّث مع الذات دي من جهة واحدة، لكنها ظاهرة قديمة جدًا، فقد روي عن العامرية أنها كانت تهذي بقيس وحدها، وعندما اتهمها باعة الشاي بأنها لم تعشق قيسًا بمثلما جُنّ بها، باغتتهم بمقصية:
لم يكن المجنون في حالةٍ
إلا وكنت كما كانا
لكنه باح بسر الهوى
وإنني قد ذبت كتمانًا
“من زمااان بطونهن غريقة”.
قرأت أنه عقب موت ليلى جاء قيس إلى الحي يسأل عن قبرها، فلم يدلوه إليه، فشرع يشمّ القبور حتى شمّ تراب قبرها فعرفه وأنشد:
أرادوا ليخفوا قبرها عن محبها
ولكن طيب القبر دل على القبر
يا حليلو، حسّاس بن الملوح.. حسّاس.
وبمناسبة التحسّس، ونسجًا على ذات النول، حكى لي صديق أن ترزيًا بسوق الأبيض شغال بـ (Remote Sensor) طبيعي، ما بشيل مقاساتك نهائي، يعاين ليك زي الـ(MRI)، وتجي السبت تستلم جلابيتك.
داوموا على الحديث مع النفس، واستصدروا شهادات مشفوعة بفيديو لإثبات ذلك، حتى تُحشروا في زمرة اللائقين طبيًا.
آخر الهذيان:
“حين تعجز الكلمات يأتي العناق ليقول كل شيء”.. ليو بوسكاليا

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.