- الأدب وحده لا يكفي، لأن “الإيد الواحدة ما بتصفّق”..
- حرب السودان ستفرز فكرًا جديدًا يعيد تشكيل الأدب والسياسة وأساليب العيش
- الذكاء الاصطناعي لا يهدد الإبداع الآن، لكنه قد يصبح تحديًا إذا اقترب من مخيلة الإنسان
يعد الأديب بشري الفاضل، أحد أبرز رموز القصة القصيرة في السودان، ينتمي إلى جيل أسّس لمرحلة فارقة في تطوّر السرد العربي والسوداني، عبر مشروع إبداعي يقوم على التجريب وكسر المألوف، وتوسيع طاقة اللغة على التعبير، من خلال مزج الواقع اليومي بالرمز والفانتازيا، وبناء عوالم سردية تنحاز للإنسان وتعيد مساءلة الواقع من زوايا غير تقليدية.
في هذا الحوار مع (ملف الهدف الثقافي)، تتقاطع أسئلة الأدب مع التحوّلات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، من صعود الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة جديدة في إنتاج النصوص، إلى مستقبل القصة والرواية في ظل الثورة الرقمية، مرورًا بإشكالات الكتابة في زمن الحرب، ودور الثقافة في مواجهة الانهيار وإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
ويقدّم الحوار قراءة أقرب إلى الداخل الفكري والإبداعي لبشري الفاضل، حيث يتناول رؤيته للأدب بوصفه فعلًا حيًا مرتبطًا بالتحولات الكبرى في السياسة والمجتمع والتقنية، ومساحة مفتوحة لإعادة التفكير في معنى الكتابة ووظيفتها، وفي قدرة السرد على استيعاب تعقيدات الواقع السوداني والإنساني في لحظة تاريخية شديدة الاضطراب.
حاوره: عبد المنعم مختار
#ملف-الهدف-الثقافي
*يشهد العالم اليوم ثورة كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك إنتاج النصوص الأدبية. كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة؟ وهل ترون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة للمبدع أم منافسًا له في المستقبل؟
– الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعد الكاتب إذا طرح عليه الحبكة وبعض التفاصيل، لكنه لا يستطيع إنشاء كتابة إبداعية حقيقية، ولا يمكن للكاتب أن يعتمد عليه، خاصة في الصور الشعرية وتجويد لغة الحكي. حاليًا لا يشكّل الذكاء الاصطناعي تحدّيًا للكتّاب، لكن مستقبلًا، إذا اقترب من امتلاك مخيلة تشبه أو تضاهي مخيلات البشر، فربما يصبح تحدّيًا حقيقيًا للكتابة الإبداعية.
* أنتم من جيل أسهم في ترسيخ مكانة القصة القصيرة السودانية عربيًا وإفريقيًا. كيف تقيمون مسيرة القصة السودانية اليوم مقارنة بالمراحل السابقة؟ وما أبرز التحوّلات التي شهدتها من حيث الموضوعات والأساليب الفنية؟
– كل جيل جديد من الكتّاب يحمل إضافاته الخاصة. أعتقد أن شباب اليوم استفادوا كثيرًا من التكنولوجيا الرقمية والإلكترونية التي جعلت العالم قرية كونية، فازدادت خبراتهم واتسعت معارفهم، وأصبح إنتاجهم أكثر ثراءً وتعقيدًا وجدةً، وهو ما انعكس أيضًا في التوسع الكبير الذي شهدته كتابة الرواية.
* يلاحظ كثير من النقاد أن الرواية أصبحت أكثر حضورًا وانتشارًا من القصة القصيرة. برأيكم، هل تعيش القصة القصيرة تراجعًا فعلًا، أم أنها ما زالت قادرة على الحفاظ على مكانتها وتأثيرها؟
– أتفق مع هذا الرأي. فالرواية استحوذت على قدر كبير من الاهتمام الذي كانت تحظى به أجناس أدبية أخرى مثل القصة القصيرة والشعر. لكن الرواية نفسها ستشهد تحوّلات وتنوّعا في أساليبها، وقد تصبح بعض تياراتها، كالواقعية التقليدية، أقل جاذبية مع مرور الزمن.
* لطالما كانت أعمالكم مشغولة بالإنسان السوداني وهمومه اليومية. إلى أي مدى ينبغي للأدب أن ينخرط في معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية؟ وهل يفقد النص الأدبي شيئًا من قيمته الفنية عندما يقترب كثيرًا من الواقع المباشر؟
– أعتقد أن الكتابة الإبداعية اليوم تحتاج إلى أن تجاورها في النقد نظرية (كل شيء) (Theory of Everything) المعروفة في الفيزياء، لأن الواقع أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا، وبالتالي فإن محاكاته بصورة مباشرة قد تمثّل تبسيطًا لهذا التعقيد الهائل.
* يمر السودان بواحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه الحديث. كيف أثّرت الحرب الحالية على الكاتب السوداني وعلى طبيعة الكتابة السردية؟ وهل تتوقعون أن تفرز هذه التجربة أعمالًا أدبية كبرى في المستقبل؟
– هذه التجربة المأساوية التي يمر بها بلدنا الحبيب ستفرز فكرًا جديدًا، ليس في الأدب وحده، وإنما في السياسة وأساليب الحكم والعيش وسائر الفنون أيضًا.
* شهدت الساحة الأدبية السودانية بروز أسماء نسائية لافتة في مجالي القصة والرواية. كيف تقيمون تجربة المرأة السودانية في السرد؟ وهل نجحت الكاتبات السودانيات في تقديم رؤى مختلفة ومؤثرة في المشهد الأدبي؟
– هناك كاتبات سودانيات متميزات في السرد والشعر، كما في الغناء والدراما وسائر الفنون. وتمتاز المرأة السودانية بالريادة منذ دخولها البرلمان في ستينيات القرن الماضي، وقد برز صوتها وجسارتها بصورة واضحة خلال حراك ثورة ديسمبر.
*يتميّز السودان بتنوّع ثقافي وإثني ولغوي واسع. إلى أي مدى استطاع الأدب السوداني عكس هذا الثراء؟ وما الدور الذي يمكن أن يلعبه السرد في تعزيز قيم التعايش وقبول الآخر؟
– ثمة إخفاقات في السياسات العليا، وقد انعكس ذلك على مناهج التعليم وبرامج الإعلام المختلفة في التعامل بإنصاف مع هذا التنوّع اللغوي والثقافي. وهناك محاولات مهمة في الغناء قام بها فنانون بمجهود فردي، مثل حمزة علاء الدين ومحمد وردي وعبد القادر سالم وغيرهم.
أما في الأدب، فقد نجح عدد محدود من الكتّاب في إبراز هذا التنوّع، ومنهم إبراهيم إسحق وجمال محمد أحمد وعالم عباس.
أما تعزيز قيم التعايش وقبول الآخر فهو أمر يتحقق تدريجيًا عندما يُمنح الآخر فرصة المشاركة الحقيقية، وعندما لا يبقى في المجتمع أمّي أو مستبد، ويرتقي الوعي الجمعي. عندها يصبح السرد جزءًا من منظومة ثقافية ومعرفية متكاملة تسهم في بناء مجتمع أكثر انفتاحًا.
* كيف تنظرون إلى تجربة الكتّاب الشباب اليوم؟ وما أهم التحديات التي تواجههم في ظل التحولات الرقمية ووسائل النشر الجديدة؟
– الأجيال الجديدة تضيف دائمًا وتُحدث طفرات نوعية، وهي محظوظة لأنها ترث الماضي كله قبل أن تبدأ الكتابة. وهذا لا يعني أن كل من يكتب يحقّق ذلك، فهناك كتابات لا ترقى إلى هذا المستوى، وأعمال تفتقر إلى الموهبة. لكن المقصود أن عدد المبدعين الحقيقيين يتزايد مع الزمن.
فإذا كان مطلع القرن العشرين قد شهد بروز شاعر عامية استثنائي مثل خليل فرح، فإن الأعداد تتضاعف مع مرور الوقت. ويمكن ملاحظة ذلك في الانفجار الحالي الذي تشهده الرواية السودانية مقارنة بالبدايات الأولى مع خليل عبد الله الحاج صاحب رواية (إنهم بشر) ومن عاصروه.
* رغم ثراء التجربة الأدبية السودانية، ما زالت حاضرة بصورة محدودة في المشهد العالمي. ما الأسباب التي تعيق وصول الأدب السوداني إلى القارئ العربي والعالمي؟ وما الذي يحتاجه لتحقيق انتشار أوسع؟
– يحتاج الأمر إلى وزارة ثقافة ذات رؤية مستنيرة، تمتلك الصلاحيات والموارد اللازمة، ويعمل فيها فريق من التنفيذيين الأكفاء القادرين على دعم الترجمة والترويج والتواصل الثقافي مع العالم.
* في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة، كيف تتصوّرون مستقبل القصة والرواية في السودان؟ وما القضايا أو الأسئلة الكبرى التي تعتقدون أنها ستشغل السرد السوداني خلال السنوات القادمة؟
– في زمن الذكاء الاصطناعي أصبح التنبؤ أمرًا بالغ الصعوبة. نحن نعيش عصرًا قد تتغير فيه التحولات التي كانت تستغرق عقدًا كاملًا خلال عامين فقط.
* ختامًا.. بعد هذه المسيرة الطويلة في الكتابة والإبداع، ماذا يقول بشري الفاضل للأدباء السودانيين وللقرّاء الذين ما زالوا يؤمنون بأن الأدب قادر على مقاومة الخراب وصناعة الأمل؟
– على الشعراء والكتّاب والفنانين أن يرشّحوا بعضًا ممن لا حظ لهم من المصلحة الشخصية، على شاكلة الراحلين علي المك ومحجوب شريف ومصطفى سيد أحمد، ليتولوا مسؤولية الحكم. ومن الأحياء د.علي عبد الله عباس وأبو عركي البخيت.
أما الأدب، فهو يقاوم الخراب ويصنع الأمل ضمن قافلة واسعة من الفكر والفنون والعلاقات الإنسانية، فيما سماه أحد الفلاسفة “الجوهر الإنساني”. فالأدب وحده لا يكفي، لأن “الإيد الواحدة ما بتصفّق”..
في سيرة الأديب بشري الفاضل..
يُعدّ بشري الفاضل واحدًا من أبرز الأصوات السردية في القصة القصيرة الحديثة في السودان، ومن الأسماء التي ارتبطت بمشروع التجريب في الكتابة السردية، حيث اشتغل على تفكيك اللغة وإعادة بناء الحكاية خارج القوالب التقليدية، جامعًا بين السخرية المرة والخيال الرمزي والاشتغال العميق على تفاصيل الحياة اليومية السودانية.
وُلد في عام 1952 بقرية أرقي شرق الدبة في الولاية الشمالية، ونشأ في بيئة ريفية ممتدة بين الشمال والجزيرة، حيث عاش في قرية ود البر الخوالدة. تلقى تعليمه الأولي بمدرسة ود رحمة، ثم المرحلة المتوسطة بمدرسة المدينة عرب، قبل أن ينتقل إلى حنتوب الثانوية العريقة التي شكّلت منعطفًا مهمًا في تكوينه الثقافي والفكري. هناك بدأت ملامح اهتمامه بالأدب تتبلور، إذ كتب الشعر في تلك المرحلة، وفاز بجائزة الشعراء الشباب، كما انضم إلى مجموعة “طلائع الهدهد” إلى جانب التشكيلي عبد الله بولا. وفي هذه البيئة الثقافية المبكّرة، تداخلت تجربته مع أسماء لافتة مثل محجوب شريف ومحمد طه القدّال، ما أسهم في تشكيل وعيه الفني المبكر.
بدأ بشري الفاضل مسيرته الأدبية شاعرًا، قبل أن يتحوّل إلى القصة القصيرة بعد تخرجه من الجامعة. وقد كانت أولى قصصه المنشورة (حملة عبد القيوم الانتقامية) عام 1978 في مجلّة الثقافة السودانية، وهي خطوة دشّنت حضوره في المشهد السردي. وقد تأثّر في هذا التحوّل بالمناخ النقدي والإبداعي الذي كان سائدًا، وبشكل خاص بتشجيع نقاد مثل علي المك، إضافة إلى تفاعل القراء مع تجربته القصصية.
يتميّز أسلوب بشري الفاضل بجرأة لغوية واضحة، تقوم على خلخلة البنية التقليدية للغة، وإعادة إنتاجها عبر الانزياح والمفارقة. كما يشتغل على تحويل اليومي السوداني إلى مادة رمزية وفانتازية، تتجاوز المباشر إلى مستويات أعمق من الدلالة. وتبرز في نصوصه تقنيات متعددة مثل القناع السردي، والتهكم، والمفارقة، وتداخل الواقعي بالمتخيل، مع منح الكائنات غير البشرية، من حيوان وجماد ونبات، دورًا فاعلًا في بناء السرد، وهو ما يمنح أعماله طابعًا خاصًا ومغايرًا. ومن النماذج الدالة على ذلك قصة “ذيل هاهينا مخزن الأحزان”، حيث تتحوّل الكلبة “هاهينا” إلى كائن واعٍ يشارك في التفكير والحوار بطريقة ساخرة وذات بعد فلسفي.
من أبرز أعماله القصصية (حكاية البنت التي طارت عصافيرها) التي صدرت في التسعينيات، وأثارت جدلًا نقديًا واسعًا واعتُبرت علامة فارقة في مسار القصة السودانية الحديثة. كما صدرت له مجموعات أخرى اتسمت بالنفس التجريبي والرمزي ذاته، إلى جانب إسهاماته في الكتابة النقدية والدرامية، وارتباطه بمواقف ثقافية داعمة لقضايا الحرية والديمقراطية.
يُنظر إلى بشري الفاضل بوصفه أحد رموز الحداثة السردية في السودان منذ ثمانينيات القرن الماضي، حيث امتد تأثيره لأكثر من نصف قرن في المشهد الثقافي. وقد كُرّم في تورنتو بكندا عام 2025 من قبل الجالية السودانية تقديرًا لمسيرته الإبداعية. كما وصفه الناقد علي المك بأنه يمتلك “التواضع المبدع” و”الطفولة الداخلية العذبة”، في إشارة إلى حسه الإنساني واللغوي المتفرّد.
في المحصلة، لا يقدم بشري الفاضل كتابة تقليدية، بل مشروعًا سرديًا قائمًا على التجريب وكسر المألوف، حيث تتحوّل القصة عنده إلى مساحة مفتوحة للسخرية والتأمّل وإعادة قراءة الواقع السوداني بعيون رمزية متعدّدة الأصوات، تجعل القارئ في حالة دائمة من الدهشة والتفكير.

Leave a Reply