نور الهدى محمد نور
عرف السودان الطباعة عام 1835م، بعيد إلحاق وحدة الطباعة بحكومة الحكم التركي في السودان، وكانت مطبعة حجرية صغيرة، وهي موجودة حتى الآن في متحف بيت الخليفة بأم درمان. وكانت المطبعة تابعة للحكومة تُستخدم في إصدار المستندات الرسمية، وقد استخدمها لاحقًا غردون باشا لطباعة كوبوناته المشهورة التي استدان بها أموالًا من التجّار في فترة حصار جيوش المهدي له. ثم عرف السودان أول مطبوعة وهي (الغازيتة) الرسمية التي أصدرت سنة 1898م، وقد ظل إصدارها مستمرًا حتى الحرب.
عرف السودان المكتبات عام 1902م عندما افتتحت مكتبة (سودان بوكشوب)، متزامنة مع إنشاء كلية غردون التذكارية التي أصبحت لاحقًا جامعة الخرطوم، وكانت المكتبة تمد طلاب الجامعة وأساتذتها بالكتب والدوريات الأجنبية. ثم لحقت بها مكتبة سودانية سميت (المكتبة الأهلية) عام 1907م أسّسها الشيخ مضوي، تلتها مكتبة (الخرطوم بوكشوب) لصاحبها البازار والد ديمتري، الذي اشتهر بتسجيل الأسطوانات للفنانين. وتوالت بعد ذلك المكتبات، فكانت مكتبة (النهضة) عام 1929م، والتي ترجم مُؤسّسها عباس أبو الريش كتابي (النيل الأزرق) و(النيل الأبيض) لمؤلفهما آلان مورهد. وفي مدينة ود مدني أسّس سيّد مضوّي، ابن الشيخ مضوّي، مكتبة عام 1935م ما تزال مفتوحة حتى الآن، فضلًا عن المكتبة الثقافية بأم درمان عام 1940م.
أول ناشر سوداني هو القاضي إبراهيم صديق، الذي قام بنشر كتاب (الطبقات) عام 1929م، وكتب فيه أسطرًا عنونها بكلمة (الناشر)، وقام بطباعة الكتاب في القاهرة ثم وزّعه عبر المكتبة الأهلية. ويدور جدل حول أول كتاب سوداني منشور؛ إذ يذكر بعضهم ديوان الشاعر السوري عبد الرحمن مصطفى قليلات، وكان رئيس تحرير جريدة (الرائد)، وعنوان الديوان (نسمات الربيع)، ونُشر عام 1917م، بينما يذكر آخرون أنه نشر عام 1923م نقلًا عن البروفيسور محمد إبراهيم الشوش. لكن لم تُعثر على نسخة منه في دار الوثائق القومية أو المكتبات. وأقدم كتاب موثّق هو (الطبقات) لمؤلفه محمد ود ضيف الله.
ذكر سعد ميخائيل في كتابه (كذا العصر)، الذي ألّفه أثناء وجوده في السودان ونشره في مصر عام 1921م، أن ديوان (البنا) للشاعر محمد عمر البنا هو أول كتاب سوداني نُشر داخل السودان في مطبعة حضارة السودان عام 1922م. وأشار عدد من الباحثين إلى أن كتاب سعد ميخائيل (شعراء السودان) الأسبق نشرًا، وأرّخوا له بعام 1923م.
اتسعت حركة النشر في ثلاثينيات القرن العشرين، فصدر ديوان (الطبيعة) لحمزة الملك طمبل عام 1931م، وفي العام نفسه صدر كتاب (نفثات اليراع) للمؤرّخ محمد عبد الرحيم. وفي عام 1934م صدر ديوان (الراووق) للشاعر إبراهيم عبد العاطي، ثم ديوان (الصدى الأول) للشاعر يوسف مصطفى التني عام 1938م.
توالى انتشار المكتبات ودور النشر في العاصمة والأقاليم، وتُعد دار نشر جامعة الخرطوم من أعرق دور النشر السودانية. وأصبح الشعب السوداني معروفًا في المحافل الثقافية بوصفه شعبًا قارئًا يهتم بالكتاب ويتابع الإنتاج الأدبي والفكري العربي والعالمي.
حركة النشر
ازدهرت حركة النشر في العالم العربي في منتصف الخمسينيات، وبرزت دور النشر في مصر وسوريا ولبنان، كما تطوّرت في شمال أفريقيا، خاصة في تونس والمغرب، حيث أُنتجت آلاف الكتب في الأدب والسياسة والرواية والشعر وغيرها.
تواجه حركة النشر في العالم العربي مشكلات متعدّدة، خاصة مع تطور وسائل الاتصال وثورة المعلومات، إذ أصبح النشر يتوزّع بين الورقي والإلكتروني. ويظل النشر الورقي أكثر موثوقية من حيث التوثيق والمسؤولية، بينما يتيح النشر الإلكتروني سرعة الانتشار، لكنه يعاني من ضعف الضبط وغياب المراجعة في كثير من الأحيان، باستثناء المنصّات العلمية المعتمدة.
ومع ذلك، فإن جيلًا كاملًا ما يزال مرتبطًا بالكتاب الورقي بوصفه جزءًا من عاداته الثقافية.
كما أحدثت الطباعة الحديثة طفرة كبيرة في إنتاج الكتب، إذ أصبح بالإمكان طباعة آلاف النسخ في وقت قصير بعد أن كان الأمر يستغرق شهورًا. إلا أن هذه الطفرة صاحبتها مشكلة القرصنة والتزوير، حيث أصبح نسخ الكتب ونشرها دون إذن المؤلف أو الناشر أمرًا شائعًا.
وتعد ظاهرة قرصنة الكتب من أخطر التحديات التي تواجه صناعة النشر، رغم وجود قوانين الملكية الفكرية وأرقام الإيداع والرقم الدولي المعياري للكتاب (ردمك). إلا أن ضعف تطبيق هذه القوانين يظل مشكلة أساسية.
ولا يزدهر النشر إلا في مناخ الحرية والديمقراطية، بينما يتراجع في ظل الأنظمة الشمولية. ولذلك ظل النشر في السودان يواجه تحديات متكرّرة مرتبطة بالاستقرار السياسي، مما ينعكس على صناعة الكتاب وتطورها.
ولإنعاش حركة النشر، ينبغي تسهيل انتقال الكتاب بين الدول، وتخفيف الضرائب على مدخلات الطباعة، ودعم البريد الخاص بالكتاب، ليصبح متاحًا بأسعار مناسبة.
كما يجب على الحكومات دعم صناعة الكتاب عبر إنشاء دور نشر وطنية، ومطابع حديثة، وشبكات توزيع محلية وإقليمية ودولية، إضافة إلى الاهتمام بالمكتبات العامة في المدن والأحياء والمدارس.
كما يُقترح إدراج حصص للمكتبة في المناهج الدراسية، وتنظيم معارض كتاب دولية برسوم رمزية تشجع دور النشر على المشاركة، بما يضمن وصول الكتاب إلى القارئ بأسعار معقولة.
ومن الضروري أيضًا دعم الكُتّاب والمبدعين ماديًا ومعنويًا، عبر الجوائز والمهرجانات والمسابقات الأدبية، بما يتيح لهم التفرغ للإبداع.
كما يرى النص ضرورة إلغاء الرقابة على الكتاب، في ظل التحوّل الرقمي وسهولة تداول المعرفة، إذ لم يعد من المنطقي استمرار آليات المنع في عصر أصبح فيه نقل الكتب يتم خلال ثوانٍ عبر الوسائط الإلكترونية.

Leave a Reply