عثمان حاج عمر. تونس.
في بيروت، قد تجد بناية صغيرة لا تتجاوز مساحتها خمسة أمتار في ثلاثة أمتار ونصف، يشتغل فيها رجل وزوجته من الصباح إلى المساء. يبيعان القهوة والشاي، والعصائر الطازجة والمعلبة، ويعدّان بعض الأكلات الخفيفة، ويعرضان السجائر بمختلف أنواعها، والمياه المعدنية، والحلوى، والمكسرات، والولاعات، والأكياس البلاستيكية، وغير ذلك من الحاجيات اليومية. دكان صغير في المساحة، لكنه عالم كامل في النشاط والحركة. يقبضان باليورو والدولار والريال الخليجي والليرة اللبنانية، وكأنهما يجسدان قدرة اللبناني على التكيّف مع كل الظروف وتقلبات الاقتصاد.
وفي بيروت، “التاكسي” ليس دائمًا ذلك الذي تعرّفه القوانين والعدادات. هناك تسعيرات متعارف عليها وسقوف للأسعار داخل المدينة، لكن الأهم أن النقل جزء من الحياة اليومية المرنة. فالـ”سرفيس” ليس مجرد مهنة بل ثقافة اجتماعية؛ فقد يخرج رجل لقضاء شأن خاص بسيارته، فيصادف من يحتاج إلى نقلة، فيحمله إلى وجهته مقابل مبلغ متفق عليه. وقد يكون معه ابنه أو صديقه، ولا يرى أحد في ذلك غرابة، بل شكلاً من أشكال التعاون وتدبير المعيشة.
وفي بيروت أيضًا، اعتاد الناس على طنين الطائرات المسيّرة الصهيونية في السماء. أصبح الصوت جزءًا من المشهد اليومي، كما أصبحت أخبار القصف والنزوح والشهداء والجرحى حاضرة في أحاديث الناس. يتحدثون عنها بمرارة، نعم، ولكن أيضًا بواقعية من خبر الحروب وعاش الأزمات المتلاحقة. ليست لا مبالاة، بل قدرة مذهلة على مواصلة الحياة رغم كل شيء.
بيروت ليست مدينة سهلة الفهم لمن يزورها أيامًا قليلة. فهي مدينة أنهكتها الحروب والأزمات والانقسامات، لكنها ما زالت تنبض بالحياة. وشعبها ليس شعبًا ساذجًا في السياسة؛ فهو يعرف لعبة المحاور، ويفهم مصالح الدول، ويدرك حجم التدخلات الخارجية التي تتنازع بلده. وربما لهذا السبب بالذات، لا يبالغ في الأوهام ولا ينخدع كثيرًا بالشعارات.
في بيروت، شعبٌ يعرف حجم المأساة، لكنه يرفض الاستسلام لها. شعبٌ شجاع وصابر، يختلف الناس حول مواقفه السياسية، لكنهم قلما يختلفون حول قدرته الاستثنائية على التحمّل والبقاء. فهنا، وسط الضجيج والأزمات والتهديدات، تستمر الحياة… وكأن اللبنانيين قرروا منذ زمن بعيد أن يكونوا أقوى من الظروف التي تحاصرهم.

Leave a Reply