د> توتا صلاح مبارك
ذاتَ مثاقفةٍ، بعث إليَّ أحد أصدقائي، وهو ذو ذائقة شعرية مترفة لا تخطئ منابع الجمال، قصيدةً باذخةً،
مشغولةً بلغةٍ من الضوء والدهشة، وأرفقها بكلمةٍ شاعرة غير انها جاءت يتيمة الاسم،
لا تجرُّ خلفها صاحبة،
ولا تشير إلى ناظمتها.
وحين فرغتُ من قراءتها،
بعد ان استسلمتُ لفيضها،
وأذعنتُ لما فيها من ثراء الصور ورهافة النبض،
سألتُ عن صاحبتها.
أجابني صديقي بدهاءٍ يتلبس بالبراءة:
«دعينا من الاسم…
ولنحتفِ بالقصيدة!»
ففهمت…
فهمتُ مَن تكون.
تتنازعني عندها مساحتان:
إحداهما تُدنيني،
والأخرى تُقصيني،
وتقذف بي إلى تخومٍ تتسابق إليها خطاي.
فذاتي الحرة لا تتصالح مع مَن يسرقون الشَّوف من عين القصيدة…
أقصد: من عين الوطن.
وهم أنفسهم مَن يحتلون مساحتها التي تُنئيني،
ويأباها عقلي،
وتنفر منها مراسي فكري.
حين أقرأ شعرها، قد أُؤخذ ببريقه،
وأقع في شِباك هواه،
لكنني أستردُّ حصون عقلي،
وأستنفر يقظة فكري،
وأفرُّ من براحاته حين أعلم أن ذلك الشعر العذب ليس إلا زخّاتٍ من غيمها.
فلديها واحةُ الشعر تُنبت أبهى الصور،
وتورق أجمل التخييلات،
فتفعل فيَّ السحر.
غير أن ذلك السحر ما يلبث أن يوقظ في داخلي سؤالًا حائرًا: هل يمكن الفصل بين الإبداع وفكر صاحبه؟
انه سؤالٌ ظل حاضرًا حضور الإبداع ذاته، وتباينت الآراء حوله،
فمنهم مَن اعتقد أن المُنجز الإبداعي يتحرر من صاحبه،
فالقصيدة تُقرأ بوصفها قصيدة،
لا بوصفها سيرةً ذاتية أو موقفًا سياسيًا ،
أي “أن يُحتفى بالنص، لا بصاحبه”.
ويرى آخرون أن الإبداع لا يأتي من فراغ،
بل من منظومة أخلاقية وفكرية،
وأن قراءتنا له ليست مجرد تذوق جمالي،
بل هي أيضًا منحٌ للاعتراف ،
لذلك قد يُرفض الاحتفاء بإبداعٍ أتى ممن تماهى مع ظلم،
أو تواطأ مع قبح.
ولا أعتقد أن هناك رأيًا ثالثًا يتوسط الرأيين.
أما عندي، فالذاتي والموضوعي مشتبكان،
لا ينفصلان.
العقل والقلب عندي متناغمان،
متوائمان،
يعشقان معًا،
ويهجران معاً،
ويمنحان ظهريهما للأشياء معًا.
ولعلها، في النهاية، ليست إلا جدليةً الصراع بين الذائقة والضمير .

Leave a Reply